د. هانيبال يوسف حرب
ليس أصعب ما يواجه الإنسان أن تتعدد الطرق أمامه، بل أن تتعدد الأصوات داخله حتى لا يعود يعرف أيها يمثله حقاً.
صوتٌ يدفعه إلى قرارٍ، وخوفٌ يسحبه إلى قرارٍ آخر، وتجربةٌ قديمةٌ تتدخل في الحاضر، ورغبةٌ عاجلةٌ تحاول أن تتغلب على رؤيةٍ أبعد. وبين هذه القوى المتزاحمة قد يعيش الإنسان سنواتٍ وهو يظن أنه يختار، بينما بعض اختياراته ليست إلا استجاباتٍ متفرقةً لما يتحرك فيه وحوله.
من هنا تبرز أهمية تنمية الذكاء الروحي.
فالذكاء الروحي، ضمن البرنامج الذي نعمل على تأسيسه وتطويره، لا يُراد منه إضافة معلوماتٍ جديدةٍ إلى ذاكرة الإنسان فحسب، وإنما الارتقاء بطريقة إدراكه لنفسه ولمواقفه وعلاقاته، حتى يصبح أكثر قدرةً على معرفة ما الذي يحركه، ولماذا يتحرك، وإلى أين يمكن أن يقوده ذلك.
إن امتلاك المعرفة شيءٌ، وامتلاك القدرة على استخدامها في اللحظة المناسبة شيءٌ آخر.
قد تعرف أن الغضب يفسد القرار، لكن المعرفة وحدها لا تمنعك من اتخاذ قرارٍ وأنت غاضبٌ.
وقد تعرف أن بعض العلاقات تستنزفك، لكنك قد تستمر فيها لأنك لم تتعلم بعد كيف تميّز بين الحاجة والمحبة، وبين التعلق والاختيار، وبين الخوف من الفقد والقيمة الحقيقية للعلاقة.
وقد تعرف عشرات القواعد في القيادة، ثم تنهار قدرتك على القيادة عندما يصبح الموقف شخصيّاً.
لهذا لا ينبغي أن يبقى تطوير الإنسان مقتصراً على ما يعرفه عن الخارج.
هناك عالمٌ كاملٌ يحتاج إلى التعليم والتدريب في الداخل أيضاً.
وكلما اتسعت قدرة الإنسان على قراءة هذا العالم، أصبح أقدر على اكتشاف اللحظة التي يبدأ فيها التشتت، قبل أن يتحول إلى قرارٍ مرتبكٍ، أو علاقةٍ مضطربةٍ، أو مسارٍ طويلٍ يسير فيه لأنه لم يسأل نفسه في البداية: لماذا أسير؟
وهنا تكمن إحدى القيم الكبرى التي يسعى إليها برنامج الذكاء الروحي: بناء إنسانٍ لا تزداد معلوماته فقط، بل تزداد قدرته على الحضور الواعي في حياته.
إن إهمال هذا الجانب لا يعني أن الإنسان سيتوقف عن اتخاذ القرارات.
بل سيستمر في اتخاذها.
وسيدخل العلاقات.
وسيواجه التحولات.
وسيختار ويترك ويقترب ويبتعد.
لكن السؤال الأعمق يبقى:
من الذي يقود كل ذلك داخله؟
قد يبدأ تطوير الذكاء الروحي من هذا السؤال وحده.
لأن بعض التحولات الكبرى في حياة الإنسان لا تبدأ عندما يجد جواباً جديداً، بل عندما يتعلم أخيراً كيف يطرح على نفسه السؤال الصحيح.
تابع معنا: لمتابعة مقالات وتأملات في الحب الإلهي، انضم إلى قناة مدرسة الحب الإلهي المجددية على تلغرام.






