من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 59 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 3، الفصل 2.
6- اتساع الوعي وضيقه
هل يستطيع الإنسان أن يرى الصورة كلها في كل لحظة؟
الجواب : لا.
في بعض اللحظات يتسع ما ندركه…وفي أخرى يضيق.
وقد يكون الإنسان واسع الإدراك في مجال…وضيقاً في مجال آخر.
يفهم العمل جيداً…لكن علاقاته محدودة الفهم.
أو يفهم الناس…لكنه ضعيف في رؤية نفسه.
أو يكون واسع المعرفة…ثم يقع تحت انفعال قوي فتضيق أمامه الصورة.
وهنا نبدأ بملاحظة معنى:
اتساع الوعي وضيقه.
لن نحوله هنا إلى تقسيم تقني تفصيلي.
لكن يكفي أن نفهم أن الإنسان قد يرى:
جزءاً.
ثم يتعلم فيرى أكثر.
وقد يرى علاقة واحدة.
ثم يظهر له التشابك.
وقد يكون محصوراً في اللحظة.
ثم يصبح قادراً على رؤية الماضي والنتيجة والمآلات.
كل هذا يمكن وصفه ــ من جهة تعليمية ــ بأنه انتقال من صورة أضيق إلى صورة أوسع.
وصل ما معنى أن يتسع وعيك؟
ليس معناه فقط أن تعرف أسماء أكثر.
بل قد يعني:
أن ترى أسباباً أكثر.
وأن تدرك علاقات أكثر.
وأن تميز بين أشياء كنت تخلطها.
وأن ترى الاحتمالات.
وأن تعرف موضعك من الصورة.
وأن تعرف حدود إدراكك.
وأن ترى أثر قرار اليوم في غد.
وأن ترى الإنسان في سياق أوسع من موقف واحد.
وأن تربط المعلومة بغيرها.
فالاتساع ليس مجرد كم…. إنه أيضاً: نوع العلاقة بين ما تعرف.
وصل ضيق الوعي ليس دائماً قلة الذكاء العقلي
قد يكون الإنسان شديد الذكاء في التحليل.
لكن مجال رؤيته ضيق.
فيحلل جزءاً صغيراً من الصورة ببراعة مذهلة.
ثم يصل إلى قرار لا يناسب الصورة الكاملة.
ولهذا فإن الارتقاء في الوعي لا يساوي فقط رفع القدرة العقلية.
إنه توسيع لدائرة الإدراك وعلاقاتها.
وهنا نفهم مرة أخرى لماذا جاء علم الذكاء الروحي أعلى من أن يختزل في التفكير العقلي وحده.
وصل الانفعال وضيق المجال
هل لاحظت أنك في لحظة الغضب لا ترى الأشياء كما تراها بعد أن تهدأ؟ ربما قلت كلاماً.
ثم بعد ساعة قلت: لماذا قلت ذلك؟
ما الذي حدث؟
من الصور الممكنة أن الانفعال جعل بعض المدركات شديدة الحضور، وحجب أو أضعف حضور مدركات أخرى.
في لحظة الغضب رأيت: الإهانة…لكن لم تر العلاقة الطويلة.
ورأيت: الخطأ…لكن لم ترالعذر.
ورأيت: رغبتك في الرد…لكن لم تر نتيجة الرد.
ثم عندما هدأ الانفعال، عادت الصورة إلى الاتساع.
ولهذا فإن قوانين الوعي في علم الذكاء الروحي ــ ومنها الإطلاق والانفعال والاستغراق ــ ليست موضوعات جانبية.
إنها تدخل في فهم حركة الوعي نفسه…لكننا لن نشرحها هنا.
نريد فقط أن يشعر القارئ أن وراء كلمة «وعي» علماً واسعاً.
وصل الاتساع لا يعني قبول كل شيء
وهذه نقطة مهمة.
الوعي الواسع ليس الإنسان الذي يقول: كل الآراء صحيحة.
ولا الذي يتردد في كل حكم.
ولا الذي لا يرفض شيئاً.
بل قد يجعلك الاتساع أكثر قدرة على الرفض الصحيح.
لأنك رأيت الصورة.
وأدركت التفاصيل.
وفرقت.
فقلت:
هذا صحيح.
وهذا خطأ.
وهذا يحتمل.
وهذا لا يحتمل.
إذن:
الاتساع يزيد الدقة، لا الضبابية. وكلما اتسعت الصورة احتجت إلى ترجيح أنضج.






