أهمية مراحل السلوك وخاتمة الكتاب
من كتاب «علم الاسم المتجلي الأعلى في القرآن الكريم» — البروفيسور هانيبال يوسف حرب.
البَابُ الثَّالِثُ مِنَ الفَصلِ الرَّابِـعِ
في بَيَانِ أهمِيَّةِ مَرَاحِلِ السُّلُوكِ
سُؤَالٌ : لِمَـاذا جَعَلْنَـا الفِرعَونيـَّةَ " فِرعَونَ مُوسَى " مِثَـالاً في القـرآنِ الكريـمِ ؟؟؟
والجَوابُ : كَي يَنْتَبهَ العَـارِفونَ إلى الحَقيقَـةِ التَّاليـةِ :
انْتَبِه لاتُفكِّرْ يَوماً مَا عندَما تَصِلُ إلى هذَا الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى، وتَرَى الإطلَاقَ، ويُسلِّمُك اللهُ سبحَانَـه وتَعَالى مَفَاتيحَ الكَونِ، وتُصبحُ مُتصرِّفَاً بِكُلِّ أبعَادِكَ بِأنَّك وَصلتَ إلى الأُلُوهيَّة، ولاحتَّى إلى الرُّبوبيَّةِ، أنتَ لَمْ تَصلْ إلى شيءٍ! أنتَ وَصَلتَ لِتَتعرَّفَ، بَل أنتَ أُوصِلتَ، أَوْصَلَكَ اللهُ وعَرَّفَك، لَو كُنتَ في ذَاتِك على شيءٍ مِنَ الألُوهِيـَّةِ لَمْ تَكُنْ بِحاجةٍ إلى مَنْ يُوَصِّلُكَ ويُعَرِّفُكَ، كُنتَ عَرَفتَ مِنْ ذَاتِـكَ .
فَمَرَاحلُ السُّلوكِ هَامَّةٌ لأنَّه لمَّا يَصِلِ العَارفُ إلى الإطلَاقِ إلى الحَقيقَةِ الكَاملةِ، ويَشهَدُها ويَدخُلُ في حِياضِ الشَّاهدِ والمَشهُودِ، في كُلِّ لَحظةٍ سَيَتذَكَّرُ آلامَ السُّلوكِ، فَيَعرِفُ كيفَ وَصَلَ، لَنْ يَنخَدِعَ ويَأتيَ شَيطانٌ ويَقولُ له صِرتَ إلَهَنَا يَاسَيدِي يَامَولَانَا، صِرتَ أعلَمَ شَخصٍ عَلى سَطحِ الأرضِ، أنتَ إلهُ الكونِ فَيُصبحُ فيه مِثلُ فِرعَونَ، فِرعَونُ لَمْ يَسلُكْ فهوَ وُلدَ مِنْ بَطنِ أمِّه في فَمِه مِلعَقةٌ مِنْ ذَهَبٍ، حَضَّرُوا مُوسَى عليه السَّلامُ لِيُصبحَ فِرعَوناً، فَعَلَّموه كُلَّ ثَقافاتِ الكونِ، ولكنْ لمَّا وَصَلَ إلى آخَرِ ذُروَةٍ في العِلمِ وَجـدَ أنَّ الاسمَ الإلَهيَّ الأعلَى إنَّمَا هوَ بالتَّعـرُّفِ بِالتَّكشُّف، وليسَ بِالعـلمِ فَقَـط، فَلَجَــأَ إلى اللهِ لِلتَّعـرُّفِ فَعرَّفَـه اللهُ سبحَانَـه وتَعَالى .
الخَـاتِمَـةُ :
هُناكَ آيـةٌ جَميلةٌ في القرآنِ الكـريمِ :
بسم الله الرحمن الرحيم ) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيـا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( فصلت(12)
الشَّاهـدُ في الآيةِ في قَولِـه " وأَوحَى في كُلِّ سَماءٍ أمرَهَا " أيْ أنَّ كُلَّ سَمَاءٍ لَها أمرٌ خَـاصٌّ، وكُلُّ أمرٍ خَـاصٍّ لَه اسمُه الخَـاصُّ، هذَا يعنِي أنَّ كُلَّ سَماءٍ لَها اسمٌ خَاصٌّ يَتجلَّى هَـذَا الاسمُ على هذِه السمَـاءِ، فَهيَ تَأخُذُ مَعلُومَاتها مِنْ اسمِها الخَاصِّ المُتجلِّي عَليها فَلَا يَجبُ أنْ تَكونَ السَّماءُ أرقَى مِنَ الإنسَانِ، هِي تَعرِفُ اسمَها المُتجلِّيَ الخَاصَّ والإنسانُ يَجهَلُه، الإنسَانُ خَليفَـةُ اللهِ في الأرضِ، وهوَ خَليفَتُـه في كُلِّ الأبعَـادِ الكَونيـَّةِ يَجِبُ أنْ يَعرِفَ جَميعَ الأسمَـاءِ .
بسم الله الرحمن الرحيم ( وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَـادِقِينَ ) البقرة(31)
الشَّاهـدُ في الآيةِ في قَولِـه " عَلَّمَ آدَمَ الأسمَـاءَ كُلَّهَا " أبُونَـا يَعرِفُ كُلَّ الأسمَاءِ، هذِه السَّمَواتِ يَعرِفُ أسماءَهـا المُتجلِّيـةَ كَمَا ذَكرتُ في عِلمِ مَنَازِلِ القَمرِ، لَكنْ لا يَكفِي أنْ نَعرِفَ الكونَ مِنْ حَولِنَـا، يَجبُ أنْ نَعرِفَ ذَواتَنَـا، ومِنْ أينَ تُرْوَى وتُسْتَقَى الأنـوَارُ .
في الحَضرةِ الإسمَاعِيليَّـة قـالَ " عِندَ رَبِّـهِ مَرضِيَّاً "، وفي الحَضرَةِ المُحمَّديَّـة الجَامِعَـةِ لِكُلِّ الحَضَراتِ كـانَ حَبيبُ اللهِ مَرضِيَّاً عِندَ رَبِّ الكُلِّ رَبِّ العَــالَمِينَ .
أتَمَنَّى لَكُم أنْ تَتَعرَّفُوا على أسمَائِكُم الخَاصَّةِ، ويَكونَ كُلُّ واحدٍ مِنكم عِندَ رَبِّهِ مَرضِيَّاً، وأنْ يَكونَ مَرضِيَّاً عِندَ رَبِّ الكُـلِّ كَمَـا الحَقِيقَــةُ المُحمَّديـَّـةُ .
أتَمَنَّى لَكم كِلَا المَقَـامَينِ، والسُّلوكَ دَرجَـةً دَرجَـةً إنْ شَاءَ اللهُ سُبحَانَه وتَعالَى، واللهُ يَقولُ الحَـقَّ وهُوَ يَهدِي السَّبيلَ، والحَمدُ للهِ رَبِّ العَـالَمِينَ .
جَزَى اللهُ عَنَّا سَيدَنـا مُحمداً صلى الله عليه وسلم مَاهوَ أهلُهُ
جَزَى اللهُ عَنَّا سَيدَنـا مُحمداً صلى الله عليه وسلم مَاهوَ أهلُهُ
جَزَى اللهُ عَنَّا سَيدَنـا مُحمداً صلى الله عليه وسلم مَاهوَ أهلُهُ
سُبحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وسَلَامٌ على المُرسَلِينَ والحَمدُ للهِ رَبِّ العَـالَمِينَ .


