Now Reading:

العقل وطاقة الحياة والمادة

العقل وطاقة الحياة والمادة

العقل وطاقة الحياة والمادة

العَقلُ و كُنْهُ الهُوِيَّةِ المُطلَقُ

العَقلُ هوَ تَعيِّينٌ في التَّوَهجِ القُدرَويِّ لِكُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، فهوَ مَكنونٌ في الذاتِ المُطلَقةِ مِنْ كَونِه عَينٌ ثَابتةٌ في مَعلُوماتِ الذاتِ، ولَكِنَّهُ يَظهرُ مِنْ بَقيَّةِ الظهُورَاتِ مَعَ تَوَهجِ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ بِقُدرةِ الحَيِّ المَانِحِ لِطَاقةِ الحَياةِ، ولِذلكَ لَمْ يَتصفِ العَقلُ بِالمُطلَقِ لِكَونهِ لَمْ يَظهَرْ إلَّا في التَّوَهجِ عَنِ الحَياةِ .

لِذلكَ نَرَى في الحَياةِ المَشهُودةِ ظاهِراً حَياةً في إنسَانٍ مَجنُونٍ لا يُوصَفُ بِالعَقلِ، ولا نَرَى عَقلَاً في إنسَانٍ غَيرَ حَيٍّ . فَالحَياةُ لَها وَصفُ الوجُودِ بِلَا عَقلٍ، وَلَكِنْ ليسَ لِلعَقلِ وجُودٌ بِلَا حَياةٍ فهوَ لايُوصَفُ إذاً بِالمُطلَقِ، وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى تَألِيهَ العَقلِ وَوَصفَهُ بِالمُطلَقِ فَقَد ظَلَمَ وتَعدَّى على الحَقِيقةِ. لأنَّه أثبَتَ زَوَالَ الأُلُوهيَّةِ بِزَوالِ العَقلِ، وَهذَا غَيرُ صَحيحٍ فإنَّ الأُلُوهيَّةَ بَاقيَةٌ رَغمَ زَوَالِ العَقلِ، والوجُودُ بَاقٍ حتَّى مَعَ ذَهَابِ العَقلِ.

فَالعَقلُ مَوجودٌ عَنْ سَريَانِ الحَياةِ بِعِلمِها الذاتِيِّ بِالمَعلُوماتِ.

وَعَنْ هذَا الإدرَاكِ الفَعَّالِ الذاتِيِّ لِلمَعلومَاتِ كَانَ وجُودُ العَقلِ، أَلَا تَرَى أنَّ فِقدَانَ المَعلُوماتِ يُزِيلُ التَّعَقُّلَ .. وأنَّ التَّعَقُّلَ إنَّمَا هوَ حَركةٌ في كَمِّ المَعلُوماتِ.

إذاً : نَستطِيعُ أنْ نَجزِمَ أنَّ العَقلَ وَصفٌ يَسبِقُه الإدرَاكُ الفَعَّالُ، وَلَمَّا عَلِمنَا أنَّ الإدرَاكَ الفَعَّالَ إنَّمَا هوَ حَدُّ الحَياةِ عَلِمنَا أنَّ الحَياةَ سَابِقةٌ على العَقلِ، وكَذلكَ التَّأثِيرُ والفَاعِليَّةُ إنَّمَا هيَ سَابِقةٌ على وجُودِ العَقلِ، وهذَا إنَّمَا هوَ في الظاهِرِ أمَّا في الباطِنِ فَلَا تَقسِيمَ بَل مَحضُ وجُودٍ، فَلَا يُوصَفُ بِسابِقٍ ولا لَاحِقٍ، وذَلكَ لِأحدِيَّةِ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ.

طَاقةُ الحَياةِ هِيَ التَّعبِيرُ الأوَّلُ لِلذَّكَاءِ الكَوْنِيِّ

لأنَّ الحَياةَ هيَ الإدرَاكُ والفَاعليَّةُ، ومِنْ كَونِ الحَياةِ سَاريَةٌ بِمعلُومَاتِها في الكَثرَةِ ظَهَرَ مَا نُسمِّيه الذكَاءَ، وَهوَ مِقدَارُ مَا يُحَصِّلُ التَّجلِّي الوَاحِدُ مِنْ مَعلومَاتِ الحَياةِ المُتوَهِّجةِ في كَيَانهِ القَيُّومِيِّ عَنْ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ. وَلِذلكَ لا تَجِدُ في القُرآنِ الكريمِ لَفظَةَ ذَكَاءٍ، وَلا لَفظَةَ غَبَاءٍ، فَهذَانِ الأمرَانِ اعتِبَاريَّانِ في العَقلِ النِّسبِيِّ، وَليسَ في الحَياةِ الحَقِيقيةِ الكَانِزَةِ لِمعلُومَاتِها الذاتِيَّةِ بِهُوِيَّتِها المَحضَةِ.

وَلَعلَّ هذَا الأمرَ سَيُربِكُ الكَثِيرينَ مِمَّنْ يَقولُونَ إنَّ النِّظامَ والتَّنظِيمَ إنَّمَا هو مِنْ وَظائِفِ العَقلِ؛ وَهذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ مَعلُومَةٌ خَاطِئَةٌ.

فإنَّ النِّظامَ والتَّنظِيمَ الهَائِلَينِ في الدِّقةِ في وجُودٍ حَياتِيٍّ غَيرِ عَاقِلٍ، إنَّمَا هوَ مُشاهَدٌ لِلجَميعِ.

فَمَنْ لَمْ يُثبِت لِلهوَاءِ عَقلاً كَيفَ يصف نِظامَ الهوَاءِ في التَّنسِيقِ مَعَ بَاقِي المَظاهِرِ الحَيَاتيَّةِ لإكمَالِ دَورَةِ الحَياةِ على سَطحِ الأرضِ أنَّه شَيءٌ جَميلٌ ومُبهِرٌ، ذَلكَ النِّظامُ الكَونِيُّ الذِي يَقولُونَ عَنه إنَّه بِلَا عَقلٍ. نَعم إنَّ النِّظامَ والتَّنظِيمَ الوَاعِيَ إنَّمَا هوَ ليسَ مِنْ وَظَائِفِ العَقلِ بَل هوَ مِنْ حَقائِقِ الحَياةِ القَيُّوميَّةِ؛ أيْ الحَياةِ السَّارِيةِ في الذاتِيَّةِ.فَمَنْ عَرَفَ أنَّ كُنْهَ الهُوِيَّةِ المُطلَقَ حَكِيمٌ خَبِيرٌ عَلِيمٌ عَلِمَ أنَّ هذِه الأوصَافَ إنَّمَا هيَ لِلحَياةِ المُتوَهجَةِ عَنْ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، وليسَ هيَ وَظائِفُ لِلعَقلِ.

وعلى مَا سَبقَ تَجِدُ أنَّ الوَعيَ ليسَ نِتَاجٌ عَقلِيٌّ، بَل هوَ حَقِيقةٌ ذَاتيَّةٌ رُوحِيَّةٌ فِي كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ.

فَالوَعيُ حَياةٌ قبلَ أنْ يَكونَ عَقلَاً.

الوَعيُ حَياةٌ تَتنَزَّلُ إلى العَقلِ لِتَقودَهُ.

إذاً : الحَياةُ وَاعِيةٌ بِحَقِيقتِها، والعَقلُ مَظهَرٌ نِسبيٌّ لِوجُودِها.

المَادَّةُ وكُنْهُ الهُوِيَّةِ المُطلَقُ

إنَّ تَكَاثُفَ الوَعيِ الحَياتِيِّ بِلَا حُدودٍ يُحقِّقُ وجُودَاً مَحضَاً.بِصِيغَةٍ ثَانِيةٍ : أي أنَّ إطلَاقَ الحياةِ بِدَفْقِها الأعظَمِيِّ يَجعلُ مِنَ النُّورِ الحَياتِيِّ نُوراً شَدِيداً مُطلَقاً لِدَرجَةِ الظهُورِ الكَاملِ المُتحَقِّقِ، فإذا بِهِ يَظهَرُ مُتوَحِّداً في ذاتِهِ لِدَرجَاتٍ عَاليةٍ مِنَ الوجودِ، فإذا بهِ يَنطَلِقُ في تَعيِّنَاتِهِ إلى التَّجَسُّمِ ثُمَّ التَّجَسُّدِ، فإذا بِالمَادةِ تَظهَرُعَنْ تَوَهُّجِ تِلكَ الحَياةِ. فَالمَادةُ هيَ مَفْعَمُ الظهُورِ الوَاعِي الحَياتِيِّ لِشدَّةِ إطلَاقِه، لِذلكَ وَصفَهُ الحَقُّ في القرآنِ الكريمِ بِالحَقِّ؛ فَقَد قَالَ :

{ … هـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً … {110} يوسف، فمَا كانَ رُؤيَا هيَ ظهُورٌمَعنَويٌّ في رُوحِ نَبِيٍّ صَارَ تَجسُّمَاً وتَجسُّدَاً مَاديَّاً يَعِيهِ العَقلُ بِاستِقلَالِه في ظَاهرِ الوجُودِ الحَياتِيِّ، وَقَد سَمَّاهُ هنَا الرَّبُّ : حَقَّاً؛ بِألفِ إطلَاقٍ مُنوَنَةٍ فيها صَدَى الوجُودِ.

وَلَعلَّ مِنْ أجمَلِ عِرفَانِ هذِهِ الحَقِيقةِ أنَّ المَادةَ هُنا لا تُوصَفُ بِالقِدَمِ لأنَّها تَقيَّدَت بِالتَّجسِيمِ والتَّجسِيدِ، فَعَادَت ظهُورَاً في التَّوَهجِ وصَارَت في عِدَادِ الكَثرَةِ المَشهُودَةِ.

لِذلكَ أقولُ : أخطَأَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى أُلُوهيَّةَ المَادةِ وقِدَمَهَا، فهوَ لَمْ يَعِ أنَّها لَمْ تَكُنْ في كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ إلَّا مَعنىً مَخزُونَاً مَكنُونَاً مِنْ مَعلومَاتِ الهُوِيَّةِ الثابِتَةِ في الذاتِ. وإنَّمَا كَانَتِ المَادةُ عَنْ تَوَهجِ الكُنْهِ ظهُوراً حَياتياً عَنْ نُورٍعلى نُورٍ.

سجّل الدخول للوصول إلى الميزات الحصرية ومتابعة محتواك المفضل على موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

New membership are not allowed.

Sign up to create your account and unlock all the features 

موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

هي منصة خاصة تقدم لك معرفة روحية موسوعية نقية مضبوطة بضوابط القرءان الكريم والسنة الشريفة .