Now Reading:

العقل الكوني والتشريع والحكمة العملية

العقل الكوني والتشريع والحكمة العملية

العقل الكوني والتشريع والحكمة العملية

العَقلُ الكَونِيُّ

عندَما يَتعرَّفُ العَقلُ الوَاعِي، ويَبلغُ حَالةَ العِرفانِ، يُصبِحُ مِئةً بِالمائةِ مِنْ حَالةٍ مِنَ البَقاءِ في توَهجِ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ.

فَيَفقِدُ العَقلُ فَردِيتَه ويُصبِحُ عَقلاً كَونِيَّاً؛ يُصبحُ كُلِيَّ الحُضورِ، ويَكسبُ الوجُودَ الأبدِيَّ الصَّافِيَ.

في الوصولِ لا يَكونُ لِلعقلِ القُدرةَ على الاختِبارِ، فهوَ هنا لا يَكونُ عَقلاً مَوجوداً، بَل يُصبِحُ وُجُوداً.

تَسمِيةُ الوجُوداتِ المُقيَّدَةِ عَقلاً تَارةً وَرُوحاً تَارةً وقلباً تَارةً، تُحير العقلَ وتَحارُ بِه تلك الأذهان الضيقة وبِتَسميَتِه وبِتَسميةِ مَصدرِ صُدورِ تَوَهجِ الحَياةِ عَنه.

عندَما يَعودُ العقلُ بِالبقاءِ إلى فَلَكِ الحَياةِ النِّسبيةِ، يَستَرجِعُ الفَرديَّةَ مَرةً أُخرَى، وَلَكِنْ يَبدُو أنَّه يُحافظُ على البَعضِ مِنَ الحالةِ الوَاحِديَّةِ العَظِيمةِ وغَيرِ المُقيَّدَةِ، التِي يَحفظُها الشَّاهِدُ في الوَعيِ مِنْ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، والتِي كانَ قَدِ اختَبرَها.

ومَعَ المُمارَسةِ يَستطِيعُ العقلُ أنْ يُحافظَ على المَزيدِ مِنْ ذلكَ الاختِبارِ في نَشاطِ الحياةِ اليَوميةِ، ويَقومُ بِالتفَاعُلِ مَعَ كُلِّ المُقيَّدَاتِ بِقانونِه المُتوَازِنِ، فَيكونُ بِذلكَ سَيِّدَاً على المُقيَّدَاتِ.

فَفِي حِينِ أنَّ المُقيَّدَاتِ تَخضَعُ لِلقوانِينِ الكَونيَّةِ فإنَّ هذَا الوعيَ المُتوَازِنَ يَخرِقُ هذِه القَوانِينَ، ويَتحَكَّمُ بِكُلِّ مَا تَحكُمُ عندَ الضَّرورَةِ، لِيُشكِّلَ بِذلكَ ظهُوراً خَاصَّاً تَفهَمُه المُقيَّدَاتُ على أنَّه ظهُورٌ مُباشَرٌ لِقُدرةِ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، ويَعِيَهُ هوَ بِبقائِهِ بِكُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ على أنَّه نَائِباً وخَلِيفةً لِلكُنْهِ، وفي كِلَا الوَجهينِ لا نَجِدُ في الظاهِرِ إلَّا كُنْهَ الهُوِيَّةِ المُطلَقَ بِتَجلٍّ مَا، فإنَّه مَا ثَمَّ غَيرُ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ المُتوَهجِ حَياتِيَّاً.

ضَرورَةُ التَّشرِيعِ

كُنْهُ الهُوِيَّةِ المُطلَقُ شَرَحَ لِلمُتَعَيِّناتِ عَنْ تَوهجِهِ لِيُنظِّمَ بَينَ تَجلِّياتِه، فهوَ ذُو إدرَاكٍ ذَاتيٍّ وفَعَّالٍ ذَاتيَّاً، فهوَ الدَّرَّاكُ الفَعَّالُ وبالتالِي فهوَ يُحيِي مُرادَه بِما هوَ مَشيئَتُه، ولِذا وَجدنَاه قد صَاغَ مِنْ تَوهجِ حَياتِه حَياةً قانُونيةً سَمَّاها بِعلمِه وخِبرتِه وحِكمتِه المُطلَقةِ في حياتِه الوجُودِيةِ في عَينِ هُوِيَّتِه شَرائِعَ.

وأظهرَ فيها تَصَانيفَ كُتبٍ تَحوِي مَعلومَاتِ التَّوهُّجِ الحياتِيِّ

وانبِثَاقهِ عَنْ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ.

ولِعِلْمِ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ أنَّ مَادةَ المُقيَّدَاتِ المُتكاثِفةِ عَنْ تَوَهجِهِ الحَياتِيِّ لا تَستطِيعُ الوَصْلَ رُجوعاً إلى كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، وكانَ لابُدَّ مِنْ رُجوعِها فَليسَ لَها إلَّاهوَ، فَقَد أرسَلَ رُسلاً على الكَمالِ يَستطِيعُ كُلُّ مُقيَّدٍ أنْ يَقرأَ فيهم هذِه الكُتبَ لِتَتكشَّفَ لَه حَقِيقةُ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ المُتوَهِّجِ حَياتيَّاً الدَّرَّاكِ الفَعَّالِ.

ونأكّدُ ما قُلنَا سَابقاً بأنَّ المُقيَّدَاتِ تَحتاجُ لِولِيٍّ مُرشِدٍ هوَ وَلِيٌّ لِكُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، مُرشِدٌ لِكُلِّ تَوَهجَاتِ حَياتِها لِلرُّجوعِ إليها.

وتَحتَ هذَا البابِ عِلْمٌ كَثيرٌ يَستغرِقُ الأكوَانَ، تَضِيقُ عنه هذِه الصَّفحَاتُ.

الجَمعُ بَينَ الحِكمَةِ العَمَلِيَّةِ

ونُمُوِّ التَّفكِيرِ العِلْمِيِّ

إنَّ الجَمعَ بينَ الحكمةِ العَمليةِ لِتَكامُلِ الحياةِ ونُمو التفكِيرِ العلميِّ في حَياتِنا الحَاضرَةِ لابُدَّ أنْ يكونَ بِالشُّهودِ لِكُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، فإنَّه يَدعَمُ في الفردِ الهَوِيَّةَ – بِفتحِ الهَاءِ – المُقيَّدَةَ، ويُعزِّزُ أنوارَ الهُوِيَّةِ – بِضمِّ الهَاءِ – المُتجلِّيةِ عَنهُ.لأنَّ العبدَ إذا وَصَلَ إلى شُهودِ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ فإنَّ وَعيَ وجُودِ الإطلاقِ هوَ مِنْ أكبرِ مُحفِّزَاتِ المُقيَّدَاتِ نحوَ الارتِقاءِ فَوقَ المَادةِ، والارتِقاءِ فوقَ المُقيَّدَاتِ.

فإذا انضَبَطَ هذَا التَّحفِيزُ في بَقائِيَّةِ المُقيَّدِ بِالتشرِيعِ الرَّبَّانِيِّ تَألَّقَت أنوارُه الذاتِيَّةُ، وعاشَ السَّعادةَ، الحَقِيقةَ المُرهفةَ والمُرَفَّهةَ لِكُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ، بَل تُصبِحُ هَوِيَّتُه – بفتح الهاء – مَظهرَاً لِهُوِيَّةِ – بضم الهاء – الكُنْهِ، بِلَا حُلولٍ ولا اتِّحادٍ لِعدَمِ وجودِ الاثنَينِيَّةِ.

وتُصبحُ الاثنَينِيَّةُ تَقدِيراً عَقليَّاً يَعِيشُه كُلُّ مُقيَّدٍ لايَشهدُ حَقِيقتَه، وبالتالي فإنَّ كُلَّ مَا يَصدُرُ عَنِ الفردِ البَاقِي بهذَا الكُنْهِ بَعدَ فَنائِه عَنْ نَفْسِه المُقيَّدَةِ بِإطلاقِ كُنْهِ الهُوِيَّةِ المُطلَقِ يكونُ حَقَّانِيَّاً، فيُثرِي الوجُودَ العَقليَّ على الحَقِيقةِ بِمعلومَاتِ الهُوِيَّةِ، فإذا بِالواقِعِ العِلمِيِّ المُقدَّرِ في العُقولِ المُقيَّدَةِ يُصبِحُ أكثرَ نُمُوَّاً لأنَّ العِلمَ هنا يَأتِي مِنْ مَصدَرٍ أعلَى حَقَّانِيَّةً ووَاقِعيَّةً وله حَاكِميَّةٌ وجُوديَّةٌ.

فَمَنْ يَعلَمُ بَعدَ شُهودِ الحَقِيقةِ ليسَ كَمَنْ يَعلَمُ قبلَ شُهودِها.. لا يَستَويَان.

سجّل الدخول للوصول إلى الميزات الحصرية ومتابعة محتواك المفضل على موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

New membership are not allowed.

Sign up to create your account and unlock all the features 

موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

هي منصة خاصة تقدم لك معرفة روحية موسوعية نقية مضبوطة بضوابط القرءان الكريم والسنة الشريفة .