الاستقامة الروحية
التعريف الاصطلاحي
الاستقامة الروحية: ثبات نسبي ومتجدد في التزام الحق، وضبط القصد والعمل بمقتضيات العبادة والعدل وأداء الأمانة، مع الرجوع إلى الصواب عند الخطأ. وهذا التعريف صياغة تفسيرية في سياق التربية الروحية الإسلامية، يبرز استمرار الالتزام في الأحوال المختلفة، وصلته بمراقبة الله تعالى ومحاسبة النفس. ويقصد بالثبات النسبي ما يقع في حدود القدرة البشرية، من غير ادعاء العصمة أو الاستغناء عن التوبة.
شرح التعريف
تظهر الاستقامة عندما لا يصبح المعيار الأخلاقي تابعاً للمصلحة العاجلة أو لحضور من يراقب. فالصدق يتبين أثره حين يكون الكذب ميسوراً ونافعاً لصاحبه في الظاهر، والعدل يتأكد مع مخالف أو منافس، والأمانة تُختبر عند القدرة على إخفاء التقصير. وتدل مواصلة الالتزام في هذه المواقف على قدر من رسوخ المعنى في الاختيار.
ويحتاج هذا الثبات إلى معرفة صحيحة بالواجبات وإلى تمييز بينها وبين العادات الشخصية. فقد يتمسك المرء برأي تبين خطؤه ظناً منه أن تغييره ضعف، بينما تقتضي الاستقامة أن يرجع إلى ما ثبتت صحته. لذلك تتسع الاستقامة لتصحيح الفهم وتعديل الوسيلة، مع المحافظة على الحق الذي يراد أداؤه.
ويتصل المصطلح بالإخلاص من جهة صدق القصد، وبالإحسان من جهة جودة التنفيذ، ويختص بالنظر إلى دوام الالتزام واتساقه. فعمل حسن منفرد قد يدل على خير، ثم تحتاج معرفة ثباته إلى النظر في تكراره عند تغير الظروف. كما أن المحافظة على عادة لا تكون فضيلة بمجرد استمرارها؛ إذ يتعلق التقويم بصحة العمل وعدالته وأثره في الحقوق.
ظهورها في الممارسة
من مظاهر الاستقامة الوفاء بالتزام ممكن، والامتناع عن الغش في السر والعلن، وضبط الخصومة بحدود الإنصاف، والمحافظة على المسؤوليات عند فتور الحماس. ومن وسائلها اختيار أعمال يمكن الاستمرار عليها، وتنظيم الوقت، وتجنب الوعود التي تتجاوز القدرة، ومراجعة مواطن التعثر قبل أن يتكرر ضررها.
ويتضمن الاستمرار طريقة التعامل مع التقصير. فإذا أخطأ الإنسان اعترف بما وقع، وأوقف سببه الممكن، وأصلح أثره في حق غيره، ثم استأنف التزامه. ويساعد هذا على ألا يتحول الخطأ الواحد إلى مبرر لتكراره، وألا يعتمد تقدير الاستقامة على صورة مثالية يعجز الإنسان عن تحقيقها.
حدود الاستعمال
لا تقتضي الاستقامة الجمود في الوسائل أو الامتناع عن مراعاة اختلاف الأحوال. فقد تتغير طريقة أداء مسؤولية بسبب مرض أو عجز أو ظرف معتبر، ويظل قصد الوفاء بها قائماً ضمن القدرة. وتحديد الواجبات في الوقائع التي تحتاج إلى حكم شرعي يرجع إلى العلم المؤهل، فلا تُستخرج الأحكام التفصيلية من هذا التعريف العام وحده.
كما لا يجوز استعمال المصطلح لإلزام شخص بتحمل الظلم أو استمرار علاقة مؤذية بحجة الثبات. فالحدود العادلة وطلب رفع الضرر يمكن أن يكونا من مقتضيات الأمانة. وتبقى السيرة الظاهرة مجالاً للاستدلال الحذر، ولا تمنح أحداً معرفة قطعية بحقيقة باطن غيره.
مثال توضيحي
يعهد إلى موظف بمراجعة طلبات يستحق أصحابها خدمة وفق شروط معلنة. يطبق الشروط نفسها على قريبه وعلى من لا يعرفه، ويوضح النقص بأدب، ويصحح قراراً أخطأ فيه عندما يظهر الدليل. تظهر الاستقامة في ثبات معيار العدل، وتظهر مرونتها المشروعة في قبول التصحيح وتغيير القرار الخاطئ.
موضع الفهرسة: حرف الألف.