Now Reading:

ماذا يَعني الهيكلُ النورانيُّ الحرفيُّ ؟

ماذا يَعني الهيكلُ النورانيُّ الحرفيُّ ؟

يَعني أنَّ كلَّ ‏لفظةٍ ‏تتألفُ من عِدةِ حُروفٍ ( ثلاثةُ حروفٍ أو أربعةُ حروفٍ أو سبعةُ حروفٍ .. ) هذا التركيبُ الحرفيُّ ‏ونوعُهُ و‏تراتبُ الحُروفِ وتلاصقُها مع بعضِهَا لتشكيلِ كلمةٍ واحدةٍ يُشكِّلُ في بنيةِ الكلمةِ هَيكلاً نورانيَّاً خاصَّاً نُسمِّيهِ الهيكلَ النورانيَّ لهذهِ الكلمةِ .

ما هوَ هذا الهيكلُ النورانيُّ ؟

ما هيَ أبعادُهُ ؟

ما هيَ روحانيَّاتُهُ ؟

‏نحنُ لا ‏نستخدمُ عادةً كلمةَ (هيكلٍ نورانيٍّ ) بل نستخدمُ كلمةَ ( نورانيَّةِ الكلمةِ ) أو ( روحانيَّةِ الكلمةِ ) .

‏والذي أريدُ قولَهُ هنا : إنَّ روحانيَّةَ الكلمةِ شيءٌ ونورانيَّةَ الكلمةِ شيءٌ آخرُ .
فروحانيَّةُ الكلمةِ : هي عبارةٌ عن رُوحِ الحُروفِ المُشكِّلَةِ للكلمةِ التي تشكِّلُ الروحَ الأحديَّةَ لهذهِ الكلمةِ من جُملَةِ حروفِها ، فالروحُ هي روحُ الكلمةِ ؛ والكلمةُ هيَ جسدُ تلكَ الرُّوحِ .

لن أتحدَّثَ الآنَ بتفاصيلِ روحِ الكلمةِ بل سأنتقلُ إلى ( نورانيَّةِ الكلمةِ ) لأتكلَّمَ عنِ الأنوارِ المُختَزَنَةِ في هذهِ الكلمةِ .

فلنأخذْ كلمةً بسيطةً مثلَ كلمةِ ( لَعِبَ ) :

لاحِظُوا كلمةَ لَعِبَ ( لَامٌ ، عَينٌ ، بَاءٌ ) هُناكَ أنوارُ رقائقَ نورانيَّةٍ في حرفِ اللامِ ، وأنوارُ رقائقَ نورانيَّةٍ في حرفِ العَينِ ، وأنوارُ رَقائقَ نورانيَّةٍ في حرفِ الباءِ .

ولنفترضْ أنَّهُ يُوجَدُ عددٌ معيَّنٌ لكلِّ حَرفٍ ، فعِندمَا تتركَّبُ الكلمةُ من هذهِ الحُروفِ ستكونُ أنوارُ الكلمةِ هيَ مجموعُ أعدادِ تلكَ الحروفِ .

وأسوقُ بشكلٍ دقيقٍ وعلميٍّ مثالاً من علومِ النّورِ لأنَّنا نتحدَّثُ بتفسيرٍ نورانيٍّ ونتحدَّثُ عن نورانيَّةِ الكلمةِ :
يوجَدُ في حرفِ اللامِ ثلاثونَ نُوراً أي ثلاثونَ رقيقةً نورانيَّةً تُشَكِّلُ ثلاثينَ مَرتبَةً ، بينما في حرفِ العينِ سبعونَ رقيقةً نورانيَّةً ، وحرفُ الباءِ فيهِ رَقيقتانِ نورانيَّتانِ .. هذا عندَ أهلِ الأنوارِ .

بينما عندَ أهلِ الأسرارِ فهناكَ تصانيفُ أخرى .

وعندَ أهلِ المَطالِعِ يوجَدُ تصنيفٌ آخَرُ .

وعندَ أهلِ الذِّكْرِ ، وعندَ أهلِ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } يوجَدُ لها اعتباراتٌ أخرى وتصانيفُ أخرى .

نتابعُ في مثالِ كلمةِ ( لَعِبَ ) : ففي حرفِ اللامِ ثلاثون نُوراً ، وفي حرفِ العَينِ سَبعونَ نُوراً وفي حرفِ البَاءِ نوران ؛ فيكونُ المَجموعُ مائةً ونورين ، بينما الهيكلُ النورانيُّ لكلمةِ لَعِبَ صارَ فيهِ من الأنوارِ أكثرُ من مائةٍ ونورين ، لِماذا ؟
لأنَّ الحروفَ عندما تكونُ على انفرادِها أي عندما تكونُ اللامُ منفردةً والعَينُ منفردةً والباءُ منفردةً فإنَّ مجموعَ هذه الأنوارِ التي قُمنا بِعدِّها يكون ( مائةً واثنين ) ، ولكن عندما تتصلُ الحروفُ مع بعضِها بهذا الترتيبِ فإنَّ هذهِ الأنوارَ تُشرقُ مع بعضِها ويصبحُ بينهُم أنوارٌ برزخيةٌ ؛ أي أنَّ الثلاثينَ نوراً في اللامِ يتفاعلُ مع السبعينَ نوراً في العَينِ ويتفاعلُ مع نورَي حرف الباءِ فتَنتجُ التقاءاتٌ وانبثاقاتٌ نورانيَّةٌ جديدةٌ تُعبِّر عنها كلمةُ ( لَعِبَ ) ، فروحُ كلمةِ لَعِبَ فيها أنوارُ كلِّ حرفٍ لوحدِهِ وتزيدُ على الحُروفِ الثلاثةِ بأنوارٍ ليسَت موجودةً في هذه الحُروفِ وإنَّما هي أنوارٌ صادرةٌ وناتجةٌ عن التقاءِ الأنوارِ مع بعضِها البعضِ .

فكم عددُ هذهِ الأنوارِ ؟

هذا شيءٌ لا يَعلمُهُ إلا اللهُ سبحانَهُ وتَعالى ويُعلِّمُهُ لمَن شاءَ ، فمنَ المؤكَّدِ أنَّنَا نحنُ البشرُ لا نَعلَمُ الغيبَ ، فلا يَعلمُ الغيبَ إلا اللهُ سبحانَهُ وتَعالى ؛ ولكنَّ اللهَ يُعلِّمُ بعضَ البشرِ ويُعطيهم من العلومِ التي لا يعرفُها أحدٌ ، كأنْ يُعلِّمَ شخصاً معيَّناً اسمَاً من أسمائِهِ كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ : ( أسألُكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ أنزَلتَهُ في كتابِكَ أو علَّمْتَهُ أحدَاً من خَلقِكَ .. ) .

( أوعلَّمْتَهُ أحَداً من خَلقِكَ ) : فلا أحدَ من خَلقِ اللهِ تعالى يَعلَمُ الغيبَ ، ولكنَّ أحَداً من خَلقِ اللهِ تعالى يُمكنُ أن يُعَلِّمَهُ اللهُ من غَيبِهِ معلومةً .

إذاً : فإنَّ هذهِ الأنوارَ عندَ اجتماعِها وانبثاقِها تحتاجُ إلى حقيقةٍ إمداديَّةٍ من العلومِ اللَّدُنيَّةِ من الرَّبِّ سبحانَهُ وتَعالى ؛ فالرَّبُّ هُو الذي يُعلِّمُ هذه الأنوارَ وهذه الأسرارَ وكم يبلُغُ عُمقُها و .. و .. و .. غيرُها منَ الأبعادِ ، ونحنُ البشرُ بحَقيقتِنا ولِوَحدِنا لا نستطيعُ الدخولَ إلى هذهِ الأعماقِ في الكلمةِ .

وإليكُم يا أوليائي في اللهِ تعالى السرَّ التَّالي .. ولاحِظوا معي جَمالَ هذا السرِّ :

قُلنا أنَّ في حرفِ اللامِ ثلاثينَ نُوراً وفي حرفِ العَينِ سبعين نوراً وفي حرفِ الباءِ نُورَين وقد شَكَّلُوا مع بعضِهم البعض مائةً ونورَين لِكلمةِ لَعِبَ .

نتابعُ هذه الحقيقةَ معَ مِثالٍ آخَرَ مِحورُهُ كَلمةُ ( بَلَعَ ) :

لو أخذْنا كلمةَ ( بَلَعَ ) سَنجدُ فيها الحُروفَ ذاتَها لكلمةِ لَعِبَ ( لَعِبَ – بَلَعَ ) .

وكذلكَ فإنَّ عددَ أنوارِ الحُروفِ لكلمةِ ( لَعِبَ ) مائةٌ ونوران وهيَ نفسُ عددِ أنوارِ الحُروفِ لكلمةِ ( بَلَعَ ) .

ولكنْ لاحِظُوا أنَّ الهيكلَ النورانيَّ ( جُملةَ التركيبِ النورانيِّ ) الذي شكَّلَهُ ترتيبُ حُروفِ ( بَلَعَ ) يختلفُ عن الهيكلِ النورانيِّ الذي شَكَّلَهُ ترتيبُ حُروفِ ( لَعِبَ ) .

فالترتيبُ النورانيُّ الذي شكَّلَتْهُ حُروفُ ( لَعِبَ ) أقوى بالطاقةِ وأوسعُ بالمَعنى وأسطعُ في الفَهمِ ، حتى في الواقعِ العمليِّ فإنَّ قدراتِ اللَّعِبِ في الواقعِ العمليِّ واسعةٌ جداً جداً جداً بشكلٍ لا نستطيعُ مقارنتَهُ معَ الهيكلِ النورانيِّ لكلمةِ بَلَعَ .

ولاحِظُوا أيضاً كيفَ أنَّ الهيكلَ النورانيَّ لكلمةِ ( بَلَعَ ) مقيَّدٌ ؛ بينما الهيكلُ النورانيُّ لكلمةِ ( لَعِبَ ) مطلَقٌ .

ماذا يعني مُقيَّدٌ ومطلَقٌ ؟ ( طبعاً نقصدُ هنا الإطلاقَ النسبيَّ وليسَ الإطلاقَ ‏الإلهيَّ ) .

الإطلاقُ النسبيُّ : أي الإطلاقُ الواسعُ الذي لا يستطيعُ أحدٌ منَّا نحنُ البشرُ أن يَحدَّهُ أو يعرفَ أينَ حدودُهُ ولكنَّ اللهَ تعالى يَحدُّهُ .
فالهيكلُ النورانيُّ لكلمةِ ( بَلَعَ ) أكسبَهَا في هذا الترتيبِ التي هي عليهِ حُدوداً معيَّنةً ، وهذهِ الحُروفُ هي التي شكَّلَتِ الهيكلَ النورانيَّ للكلمةِ ، وهذا التشكيلُ النورانيُّ والترتيبُ لا يكونُ إلا بإذنِ اللهِ تعالى لأنَّ هذهِ الحروفَ هي حروفٌ عربيةٌ أنزلَها وخاطبَ اللهُ تعالى بها المؤمنَ ، فهي توقيفيَّةٌ أي أنَّها نَزلَت هكذا من عندِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى .

لفظُ ( بَلَعَ ) : عندَ البشريينَ أمثالِنَا الإنسانيِّين معشرِ بَني آدمَ هوَ لفظٌ من ألفاظِ عالَمِ الفمِ المتعلِّقِ بالأكلِ حصراً ، أي لا تستطيعُ أن تقولَ : إنَّ العينَ تَبلَعُ ؛ أو إنَّ اليدَ تَبلَعُ ؛ أو إنَّ القدَمَ تَبلَعُ .

إذاً :
هذا الهيكلُ النورانيُّ لهذهِ الكلمةِ إنَّما يشيرُ إلى هذا العالَمِ المحدودِ جداً ‏ألا وهوَ عالَمُ الفمِ وعالَمُ البلعومِ وعالَمُ الجهازِ الهضميِّ وهو غيرُ عالَمِ اللسانِ والمَضغِ ؛ لأنَّ البَلعَ شيئٌ محدودٌ ولايُعبَّرُ عنهُ بالمَضغِ ، فالبَلعُ لفظٌ محصورٌ ودقيقٌ يُعبِّرُ عن حالةٍ من حالاتِ الأكلِ الذي لَهُ أيضاً حدودٌ معيَّنةٌ وليسَ في الأكلِ كُلِّهِ ، فحالةُ الأكلِ تتضمنُ المضغَ والامتصاصَ والرَّشْفَ والشُربَ والابتلاعَ وجميعُهم من أفعالِ الفمِ ، ولكن لكلِّ كلمةٍ خصوصيةٌ .

فكلمةُ ( بلَعَ ) تختلفُ عن كلمةِ ( مَضَغَ ) وعن كلمةِ ( ( استساغَ ) الأكلَ رويداً رويداً ) .. فالتعبيرُ بكلمةِ بلَعَ تؤكِّدُ دقةً معيَّنةً حيث تدلُّ على تناولِ الطعامِ وإدخالِهِ إلى الجهازِ الهضميِّ .

بينما لفظُ ( لَعِبَ ) فهو لفظٌ مطلَقٌ ، تستطيع أن تقولَ : لَعِبَتِ اليدُ ، لَعِبَتِ العَينُ ، لَعِبَتِ القدمُ ، لَعِبَ الرأسُ ، لَعِبَ اللِّسانُ ، لَعِبَ الناسُ ، لَعِبَ المجتمعُ ، لَعِبَتِ الدنيا بأسْرِها .. .

كذلكَ تستطيعُ أن تقولَ : لُعبَةُ التنسِ ، لُعبةُ الخَيلِ ، لُعبةٌ إلكترونيةٌ .. فاليومَ تستطيعُ رؤيةَ كلِّ أنواعِ اللَّعِبِ في الكونِ بأكملِهِ بحالةٍ عظيمةٍ جداً .. فكلُّ لَعِبٍ في الكونِ نستطيعُ أن نُدخِلَهُ تحتَ هذا الهيكلِ النورانيِّ الموجودِ في كلمةِ لَعِبَ ( ل ع ب ) .

نُلاحظُ أنَّ نفسَ الحُروفِ ونفسَ الأنوارِ موجودةٌ في الكلمتينِ ( لَعِبَ وبَلَعَ ) إلا أنَّ اختلافَ ترتيبِ الحُروفِ أدَّى إلى تعيينِ هيكلٍ نورانيٍّ محدودٍ عيَّنَ مستوىً مُعيَّنَاً وعيَّن حقيقةً معيَّنةً في عالَمِ الكلمةِ .
فيَا وليِّي في اللهِ تعالى فَتَحَ اللهُ بصيرتَكَ على نورِ الحُروفِ وهياكِلِها انظرْ كيفَ أنَّنا نستطيعُ أن نوثِّقَ هنا قاعدةً هامَّةً في روحانيَّةِ الترتيبِ الحرفيِّ وهيَ أنَّ :
اختلافَ ترتيبِ الحُروفِ أدَّى إلى تعيينِ هيكلٍ نورانيٍّ محدودٍ عيَّنَ مستوىً معيَّناً وعيَّن حقيقةً معيَّنةً في عالَمِ الكلمةِ .

من كتاب «التراتيب والتراكيب»، الكتاب الثاني في بسملة سورة الفاتحة من سلسلة «تفسير بنور الله تعالى»، تأليف د. هانيبال يوسف حرب.

سجّل الدخول للوصول إلى الميزات الحصرية ومتابعة محتواك المفضل على موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

New membership are not allowed.

Sign up to create your account and unlock all the features 

موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

هي منصة خاصة تقدم لك معرفة روحية موسوعية نقية مضبوطة بضوابط القرءان الكريم والسنة الشريفة .