البسملةُ عالَمٌ ظاهرٌ وباطنٌ :
قد يقولُ قائلٌ :
لقد درسْتُ وفهمتُ وأريدُ أن أتعلَّمَ القرءانَ الكريمَ .
هنا يجبُ عليهِ أن يتعلَّمَ :
– ما هو العِلمُ ؟
– وما معنى أنْ يتعلَّمَ ؟
– وأيُّ علمٍ يجبُ أن يتعلَّمَ ؟
فالعِلمُ الحقيقيُّ يكونُ من وراءِ الألفاظِ كما هو في ظاهرِها ، لذلكَ هنالكَ حرَكتان كونيَّتان في الوجودِ وقد نشأ الناسُ على هذهِ المسألةِ ، وهاتان الحَرَكتان هُما :
الحَرَكةُ الظاهريَّةُ والحَرَكةُ الباطنيَّةُ .
حيثُ نجدُ أنَّ هناكَ أُناساً باطنيِّينَ يلغونَ الظاهرَ ويَعيشونَ فقط في الباطنِ الخاصِّ ونحمَدُ اللهَ ربَّ العالمينَ أننا لَسنا منهم ، كما أنَّنا لَسنا من الظاهريِّين الذينَ يقولونَ بظاهرِ القرءانِ الكريمِ فقط .
فالبسملةُ عالَمٌ ظاهرٌ وباطنٌ ، والظاهرُ لا يُلغي الباطنَ والباطنُ لا يُلغي الظاهرَ مثلما ذكَرْنا سابقاً إنَّ كلمةَ ( فم ) فيها أبعادٌ كثيرةٌ من الممكنِ أن يُتحدَّثَ عنها ، وكذلكَ فإنَّ كلمةَ ( عالَمٍ ) فيها أبعادٌ كثيرةٌ من الممكنِ أن يُتحدَّثَ عنها ، وكذلك اسمُ كلِّ واحدٍ منكم عندما نلفظُهُ فهو أيضاً عالَمٌ بكلِّ ما فيهِ .
عندما نقولُ كلمةَ ( ماء ) فهيَ مكونةٌ من ثلاثةِ حروفٍ : (ميم وألف وهمزه = ماء ) ، إلا أنَّنا في العلمِ يجبُ أن ننظرَ إلى حقيقةِ الباطنِ المائيِّ ، فإذا قلتُم لي : الماءُ سائلٌ فقط ؛ أقولُ لكم : لا .. الماءُ ليسَ سائلاً فقط بل هوَ أيضاً مكوَّنٌ من غازِ الهيدروجين وغازِ الأوكسجين H2O ومعادلتُه الكيميائيةِ H2+O مع ارتباطٍ بين جزيئاتِ الذرَّةِ .. هذهِ هيَ الحقيقةُ الكونيَّةُ لهذهِ الحالةِ الغازيَّةِ ؛ فالاتِّحادُ بينَ الأوكسجين والهيدروجين ( 2 هيدروجين مع 1 أوكسجين ) شكَّلَ جزيءَ الماءِ .
إذاً لا نستطيعُ أن نكتفيَ بالقولِ إنَّ الماءَ هوَ ( ميم ، ألف ، همزه ) فقط وانتهى ؛ بل إنَّ في باطنِ هذهِ الكلمةِ عوالمَ أكبرُ بكثيرٍ مما تُظهِرُهُ الكلمةُ ، وكذلكَ الأمرُ في كلِّ الكلماتِ فهناكَ عوالمُ أكثرَ بكثيرٍ مما نراهُ في ظاهرِ أيِّ كلمةٍ ممَّا هو في باطنِها .
وكذلكَ هيَ الحروفُ التسعةَ عشر المجتمعةُ في { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } والتي هيَ حروفُ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فهذهِ الحُروفُ وإن كانت بهذهِ البساطةِ الظاهرةِ في العَدِّ ، إلا أنَّ هنالكَ عمقَاً علميَّاً حقيقيَّاً وراءَ كلِّ لفظةٍ .
من كتاب «التراتيب والتراكيب»، الكتاب الثاني في بسملة سورة الفاتحة من سلسلة «تفسير بنور الله تعالى»، تأليف د. هانيبال يوسف حرب.


