من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 5 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 1، الفصل 1.
4- بين التفكير والإدراك
نحن كثيراً ما نستعمل كلمتي «أفكر» و«أدرك» وكأنهما شيء واحد.
ولكننا في هذا العلم نحتاج إلى أن نتوقف عندهما.
لن أعطيك هنا كل تفاصيل الإدراك؛ لأن له أبواباً واسعة في علم الذكاء الروحي.
ولكنني أريد أن أزرع في ذهنك الفرق الأول.
التفكير يعمل فيما صار حاضراً أمام العقل.
أما الإدراك فيتعلق بالطريقة التي تنكشف بها للإنسان الأشياء والمعاني والحقائق، وبما يدخل في بنائه الواعي ويصير مادة يتعامل معها.
ويمكن أن نقرب الفكرة بمثال بسيط.
يدخل شخصان إلى الموقف نفسه.
يسمعان الكلمات نفسها.
ويريان الحدث نفسه.
ثم يخرجان بفهمين مختلفين.
لماذا؟ ليست المشكلة بالضرورة أن أحدهما يفكر والآخر لا يفكر.
كلاهما قد يفكر.
ولكن كلاً منهما التقط من المشهد شيئاً مختلفاً.
أحدهما انتبه إلى التفاصيل.
والثاني انتبه إلى المعنى العام.
أحدهما رأى خطراً.
والثاني رأى فرصة.
أحدهما توقف عند الكلمة.
والثاني انتبه إلى ما وراء سياقها.
هنا تبدأ قضية الإدراك.
إن الإنسان لا يتعامل فقط مع «الأشياء كما هي خارجاً»، وإنما يتعامل أيضاً مع ما أدركه منها.
ثم يأتي العقل فيحلل ويركب ويرجح داخل هذه الصورة التي أصبحت حاضرة لديه.
ولهذا فإن تغيير طريقة التفكير وحدها قد لا يكون دائماً كافياً إذا بقيت طريقة الإدراك نفسها على حالها.
وهذه جملة أريدك أن تتذكرها:
العقل يعالج، ولكن جودة المعالجة مرتبطة أيضاً بما صار مادةً للمعالجة.
ومن هنا كان اهتمام علم الذكاء الروحي بالإدراك اهتماماً أصيلاً.






