من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 44 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 2، الفصل 3.
8- نحو رؤية أكثر تكاملاً للإنسان
ربما كانت إحدى مشكلات التربية الحديثة للإنسان أنها كثيراً ما تفككه.
فنجد برنامجاً للعقل.
وبرنامجاً للعاطفة.
وبرنامجاً للعلاقات.
وبرنامجاً للوظيفة.
وبرنامجاً للإنتاجية.
ثم يعود الإنسان إلى بيته حاملاً عشرات الأدوات المتفرقة.
لكن أين الإنسان الذي يجمعها؟
هنا يقدم علم الذكاء الروحي زاوية مختلفة.
ابدأ من:
الروح.
ثم: الإدراك.
ثم: حركة الإدراكات.
ثم: الوعي.
ثم: الفاعلية.
ثم انظر كيف تظهر هذه الفاعلية في:
العقل.
والعاطفة.
والعلاقات.
والأسرة.
والعمل.
والعبادة.
والمجتمع.
وبذلك تصبح لدينا صورة أكثر تكاملاً:
روح تدرك
وعقل يفكر
وعاطفة تنفعل
ووعي يربط
وفاعلية تتحرك
وإنسان يعيش كل ذلك في حياة واحدة.
وهذه العبارة صياغة تفسيرية لهذا الكتاب، لا تعريفاً جديداً رسمياً لمكونات الإنسان في علوم الإسلام.
وصل التكامل لا يعني الخلط
لكن انتبه.
عندما نقول إن الإنسان متكامل، لا نعني أن نلغي الفروق:
العقل ليس هو الروح.
والعاطفة ليست هي العقل.
والأسرة ليست هي المهنة.
والذكاء الاجتماعي ليس هو الذكاء العقلي.
لكل مجال خصائصه.
والتكامل الصحيح لا يذيب الأشياء بعضها في بعض.
بل: يعرف الفروق، ثم يعرف العلاقات.
وهذه قاعدة معرفية مهمة.
فأحياناً يظن الإنسان أن النظرة الكلية تعني عدم التفريق.
لكن الكلية الحقيقية تحتاج إلى التفريق أولاً.
أن أعرف كل جزء.
ثم أعرف مكانه.
ثم أعرف علاقته بغيره.
ومن هنا تتكون الصورة.
وصل صورة الإنسان في علم الذكاء الروحي
إذا أردنا أن نلخص هذه الرؤية في صورة واحدة، يمكن أن نقول:
الإنسان في هذا العلم ليس:
عقلاً يحمل روحاً.
ولا: روحاً لا شأن لها بالعقل والحياة.
ولا: مجموعة استجابات عاطفية.
ولا: آلة إنتاج مهنية.
بل هو كائن ذو روح، تتصل بها في بناء العلم خصائص الإدراك والفاعلية، ويملك عقلاً ووظائف، ويعيش انفعالات وعلاقات ومهمات وعبادات وتجارب، وتتشابك هذه كلها في صناعة وعيه وحركته في الحياة.
ولهذا فإن الارتقاء الحقيقي لا يُقاس بمجال واحد.
فقد يتقدم الإنسان في شيء ويتأخر في شيء.
وطالب علم الذكاء الروحي يبدأ بملاحظة هذه الفروق.
يسأل:
أين أنا قوي؟
أين أنا ضعيف؟
أين إدراكي أوسع؟
أين تضيق رؤيتي؟
أين أمتلك المعرفة ولا أمتلك الفاعلية؟
أين يتحكم الانفعال بقراري؟
أين يؤثر عملي في أسرتي؟
أين تؤثر أسرتي في عملي؟
وأين تظهر علاقتي بالله تعالى في هذه الصورة كلها؟
عندما يبدأ الإنسان في رؤية هذه الخريطة، يصبح تعلم العلم شخصياً جداً.
لم يعد يتعلم " عن الإنسان" .. لقد بدأ يتعلم عن نفسه.
وصل لا تبحث عن إنسان كامل فقط … بل ابحث عن إنسان كامل يرتقي
هذه نقطة مهمة.
لسنا نرسم صورة خيالية لإنسان لا يخطئ.
ولا يغضب.
ولا يحزن.
ولا يتردد.
ولا يضعف.
فالارتقاء لا يعني الجمود البشري أو عدم الاستفادة من الأخطاء.. إنما يعني أن يمتلك الإنسان القدرة على:
أن يرى.
ويتعلم.
ويراجع.
ويصحح.
ويتوسع.
ويعود.
ويتحرك من مستوى إلى مستوى.
ولهذا فإن الكلمة المركزية ليست:
الكمال الجمودي المتوقف عنده بل هي : الكمال الإرتقائي.
والارتقاء حركة.
وهذا ينسجم مع طبيعة الذكاء الروحي كما ندرسه: حركة إدراكات ووعي وفاعلية، لا صورة جامدة يصل إليها الإنسان ثم ينتهي.
وصل ماذا يحدث عندما يرتقي جانب واحد ويُهمَل الباقي؟
تخيل إنساناً قوياً عقلياً جداً.
لكن ضعيف الوعي بعاطفته.
قد يستخدم عقله لتبرير انفعالاته بدلاً من إدارتها.
وإنساناً شديد الحساسية العاطفية.
لكن ضعيف الترجيح العقلي.
قد تتحكم مشاعره في قراراته.
وإنساناً ناجحاً مهنياً.
لكنه أهمل أسرته.
فيكتشف بعد سنوات أن النجاح في مجال كان على حساب مجال آخر.
وإنساناً كثير الحديث في الروح.
لكنه ضعيف المسؤولية في العمل.
فتصبح الروحانية عنده معزولة عن الفاعلية.
هنا تظهر أهمية التكامل.
فالذكاء الروحي كما نريده لا يضيف قاعة جديدة إلى بيت الإنسان.
بل يعيد النظر في كيفية اتصال الغرف كلها.
وصل الإنسان الحضاري يبدأ من الإنسان المتكامل
ومن أهداف علم الذكاء الروحي في مصادره النهوض بالإنسان الحضاري.
وهذه العبارة تصبح أوضح الآن.
فالإنسان الحضاري ليس صاحب معلومات فقط.
ولا صاحب مهنة فقط.
ولا صاحب عاطفة جميلة فقط.
الحضارة تحتاج إنساناً:
يفكر.
ويدرك.
ويعمل.
ويتعاون.
ويتحمل المسؤولية.
ويبني أسرة.
ويقيم علاقات.
ويحفظ قيمه.
ويجعل عبوديته لله تعالى موجِّهة لحركته لا معطِّلة لها.
وهنا تنتقل قصة الذكاء الروحي من الفرد إلى المجتمع.
فإذا ارتقى الإنسان المتعدد الجوانب… ارتقت ــ بقدر ذلك ــ نوعية الفاعلية التي يقدمها في محيطه.
وهذا باب سيأتي لاحقاً عندما نصل إلى الإنسان الحضاري.
وصل وقفة إدراكية
ارسم دائرة في منتصف صفحة واكتب فيها: " أنا " ثم ارسم حولها ست دوائر:
عقلي
عاطفتي
علاقاتي
عملي
أسرتي
حياتي الروحية
ثم اسأل نفسك أمام كل دائرة:
ما أقوى جانب عندي؟
أين يتكرر ضعفي؟
أين أعرف أكثر مما أطبق؟
أين يقودني الانفعال؟
أين أحتاج إلى توسيع الإدراك؟
ثم اسأل السؤال الأهم: هل هذه الجوانب متعاونة في حياتي أم متصارعة؟
ربما تكتشف أنك لست بحاجة إلى «حل مشكلة» واحدة.
قد تحتاج إلى إعادة رؤية العلاقة بين أجزاء حياتك.
وصل تجربة الفصل: مدركة واحدة في ستة مجالات
اختر مدركة واحدة مهمة، مثل:
التثبت قبل الحكم.
ثم راقبها في ستة مجالات:
كيف يفيدني التثبت في التفكير؟
كيف يفيدني عندما أغضب؟
كيف يغير علاقتي بالناس؟
كيف يغير قراراتي في العمل؟
كيف يؤثر في أسرتي؟
وكيف يتصل بأخلاقي وسلوكي مع الله تعالى؟
ثم اختر مدركة أخرى: الرحمة. وافعل الشيء نفسه.
ثم: المسؤولية.
ستكتشف شيئاً مهماً: المدركة الواحدة قد يكون لها أكثر من مظهر في حياة الإنسان.
وهذا يفتح باب فهم التشابك بين جوانب الذكاء والفاعلية.
وصل من علم الذكاء الروحي
احمل معك من هذا الفصل ثمانية معانٍ:
أولاً: الإنسان لا يختزل في ذكائه العقلي.
ثانياً: العقل والعاطفة والعلاقات والعمل والأسرة والحياة الروحية مجالات مختلفة في الإنسان، لكنها لا تعمل دائماً بمعزل بعضها عن بعض.
ثالثاً: الإدراك يدخل في مختلف هذه المجالات؛ لأن الإنسان يحتاج إلى إدراك المعطيات والمشاعر والأشخاص والمواقف قبل أن يتعامل معها.
رابعاً: في بناء علم الذكاء الروحي، للذكاء الروحي علاقة حاكمة وارتقائية بسائر صور الذكاء الإنساني.
خامساً: مصادر العلم تذكر صوراً متعددة من الذكاء، منها العقلي والنفسي والفطري وغيرها، ولا تحصر الإنسان في ذكاء واحد.
سادساً: تقرير أثر الارتقاء الروحي في بقية الذكاءات هو من البناء النظري للعلم؛ أما قياسه تجريبياً ونسبته بأرقام فيحتاج إلى دراسات مستقلة إذا أريد تقديمه على هذا الأساس.
سابعاً: التكامل لا يعني إلغاء الفروق، بل معرفة كل جانب ومعرفة علاقته ببقية الجوانب.
ثامناً: الهدف ليس صناعة إنسان كامل لا يخطئ، بل إنسان قادر على الارتقاء المستمر في إدراكه ووعيه وفاعليته.
وصل قاعدة الرحلة الرابعة
قلنا سابقاً: إن حياتك تتحرك بحسب ما تدرك.
ثم قلنا: إن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تصبح وعياً وفاعلية.
والآن نضيف: الإنسان الذي يدرك ليس جزءاً منفصلاً من حياتك؛ إنه الإنسان نفسه الذي يفكر ويحب ويعمل ويتزوج ويتعلم ويتعبد ويتعامل مع الناس.
ولهذا فإن: الارتقاء في أصل الإدراك يمكن أن يفتح باب الارتقاء في أكثر من مجال من مجالات الإنسان.
وهذا هو المعنى الذي يجعل تعلم علم الذكاء الروحي أوسع من أن يكون دورة لتحسين مهارة واحدة.
لماذا تحتاج إلى هذا العلم؟
لأنك قد تعالج كل جانب من حياتك منفرداً…ثم تكتشف أنك لم تعالج الإنسان الذي يحمل هذه الجوانب كلها.
تتعلم إدارة الوقت… ثم لا تعرف لماذا تهرب من مهامك.
تتعلم التواصل… ثم يغلبك انفعالك في لحظة الخلاف.
تتعلم الإدارة…ثم لا تدرك الناس الذين تديرهم.
تتعلم التربية…ثم تنسى ما تعلمته عندما يغضبك طفلك.
تقرأ في الروح…ثم لا يظهر أثر ما قرأت في مسؤولياتك اليومية.
وهنا يقول لك علم الذكاء الروحي:
ارجع إلى الإنسان.
إلى إدراكه.
إلى وعيه.
إلى فاعليته.
إلى روحه.
ثم انظر بعد ذلك كيف يتحرك في كل هذه المجالات.
خلاصة الفصل الثالث من الباب الثاني
الإنسان أكثر من مجال واحد.
هو: إنسان مفكر يحتاج إلى عقل يحلل ويركب ويرجح.
وهو: إنسان عاطفي يحمل مشاعر وانفعالات تحتاج إلى إدراك ووعي.
وهو: إنسان اجتماعي يعيش بين الناس ويحتاج إلى فهمهم والتعامل معهم.
وهو: إنسان مهني يصنع القرارات وينجز ويتحمل المسؤولية.
وهو: إنسان أسري يعيش أقرب علاقاته وأكثرها كشفاً لحقيقة فاعليته.
وهو، قبل ذلك ومع ذلك: إنسان ذو روح.
وهذه الجوانب لا تتحرك في حيوات منفصلة.
إنها تتشابك في الإنسان الواحد.
ولهذا لا يسأل طالب علم الذكاء الروحي: كيف أصبح أكثر ذكاءً في مجال واحد فقط؟
بل يبدأ بسؤال أوسع: كيف أرتقي بالإنسان الذي يستخدم كل هذه الذكاءات؟
وحين يصبح هذا السؤال حاضراً… نكون قد وصلنا إلى نهاية القلب الإقناعي الأول من هذا الباب.
لقد عرفنا:
لماذا تحتاج إلى العلم لأن حياتك تتحرك بحسب ما تدرك.
ولماذا تحتاج إليه لأن المعرفة وحدها لا تكفي.
ولماذا تحتاج إليه لأنك أكثر من عقل أو عاطفة أو مهنة أو علاقة واحدة.
لكن السؤال الآن يتغير.
لقد عرفنا لماذا نحتاج إلى العلم.
فماذا يبدأ بالحدوث داخل الإنسان عندما يدخل فعلاً في رحلته؟
كيف يبدأ بالنظر إلى نفسه؟
كيف يبدأ باكتشاف عالم الوعي؟
وكيف يبدأ بفهم معنى الارتقاء؟
وهنا نفتح الباب التالي:
الباب الثالث
ماذا يحدث عندما تبدأ رحلة الذكاء الروحي؟
وأول خطوة فيه ستكون: تبدأ برؤية نفسك بطريقة مختلفة.






