الذكاء الروحي وفقه استخدام القدرة
حرف العين
مقالة في علم الذكاء الروحي
محتوى مشاركتي


ليس السؤال الأهم دائماً: ماذا أستطيع أن أفعل؟
فقد يكون السؤال الأكثر نضجاً: متى ينبغي أن أستخدم ما أستطيع فعله، وكيف، ولماذا؟
من هنا يمكن أن نقترب من مفهومٍ مهمٍ في علم الذكاء الروحي، وهو أن نمو القدرة عند الإنسان ينبغي أن يصاحبه نموٌ في الوعي الذي يدير هذه القدرة.
فالإنسان قد يمتلك قدرةً على الكلام، لكن ذكاءه الروحي يظهر في معرفته متى يتكلم ومتى يصمت.
وقد يمتلك قدرةً على المواجهة، بينما تكمن قيادته لنفسه في إدراكه أن بعض المواقف لا تحتاج مواجهةً أصلاً.
وقد يستطيع التأثير في الآخرين، لكن امتلاك التأثير شيءٌ، ومعرفة حدود استخدامه وأمانته شيءٌ آخر.
وهنا يظهر الفرق بين القوة الخام والقوة الواعية.
القوة الخام تسأل: ماذا أستطيع؟
أما القوة الواعية فتضيف إلى السؤال أسئلةً أخرى:
ما غايتي من استخدام هذه القدرة؟
ما أثرها في نفسي وفي الآخرين؟
هل أستخدمها لأن الموقف يحتاج إليها، أم لأن ذاتي تريد إثبات حضورها؟
هل النتيجة التي أبحث عنها تستحق الطريقة التي سأصل بها إليها؟
إن هذه الأسئلة تنقل الإنسان من مجرد امتلاك الأدوات إلى فقه استعمال الأدوات.
وهذا جانبٌ مهمٌ في برنامج علم الذكاء الروحي؛ لأن تنمية الإنسان لا ينبغي أن تعني زيادة قدرته فقط، بل زيادة أهليته لحمل ما يزداد لديه من معرفةٍ وتأثيرٍ وحضورٍ وقيادةٍ.
فالمعرفة بلا حكمةٍ في الاستخدام قد تتحول إلى جدلٍ.
والحضور بلا اتزانٍ قد يتحول إلى استعراضٍ.
والقيادة بلا وعيٍ قد تتحول إلى سيطرةٍ.
والقدرة على قراءة الآخرين، إن لم يصاحبها أدبٌ أخلاقيٌ، قد تتحول من وسيلةٍ للفهم إلى وسيلةٍ للتدخل فيما لا ينبغي التدخل فيه.
لهذا فإن إحدى علامات النضج في الذكاء الروحي ليست أن يستخدم الإنسان كل ما يعرفه، وإنما أن يعرف أي معرفةٍ يحتاجها الموقف، وأي قدرةٍ ينبغي تفعيلها، وأي قدرةٍ ينبغي إبقاؤها ساكنةً.
وهنا تصبح القوة أكثر هدوءاً كلما ازدادت نضجاً.
فالإنسان في بدايات امتلاكه للأداة يريد غالباً أن يستخدمها في كل مكانٍ، أما حين ينمو وعيه، فإنه يبدأ باكتشاف أن بعض أعلى درجات القدرة تظهر في الامتناع الواعي عن استخدامها.
إن برنامج علم الذكاء الروحي لا يطرح سؤال تنمية القدرات منفصلاً عن سؤال المسؤولية عنها.
لأن القيمة ليست في أن تصبح أكثر قدرةً فحسب.
القيمة الأعمق أن تصبح أكثر وعياً بما ينبغي أن تفعله بما أصبحت قادراً عليه.

