من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 43 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 2، الفصل 3.
7- لماذا تؤثر طريقة إدراك الإنسان في مختلف ذكاءاته؟
الآن نستطيع أن نعود إلى السؤال المركزي في الفصل.
لماذا يجعل علم الذكاء الروحي للإدراك هذا الموقع الواسع؟
لأنك في كل مجال تحتاج إلى أن تدرك شيئاً.
في التفكير: تدرك المعطيات قبل أن تحللها.
في العاطفة: تدرك شعورك وسببه ومعناه.
في العلاقات: تدرك الآخر والموقف.
في العمل: تدرك الفرصة والخطر والمشكلة.
في الأسرة: تدرك احتياجات من معك وطبيعة الموقف.
في الحياة الروحية: تدرك الحقائق والمعاني التي تتصل بعلاقتك بالله تعالى وبغاية وجودك.
إذن الإدراك حاضر في المجالات كلها.
ولهذا فإن المنظومة المؤسسة لعلم الذكاء الروحي تضع الذكاء الروحي في منزلة عليا بالنسبة إلى صور أخرى من الذكاء، وتذكر من بينها الذكاء العقلي والنفسي والفطري والطبيعي والصناعي وغيرها.
وفي كتابي «تعلّم معي» نجد تقريراً أوضح من جهة الارتقاء: أن الارتقاء في مراتب الذكاء الروحي يلحق به ــ بحسب تصور العلم ــ ارتقاء في أنواع الذكاءات الأخرى.
ما الذي نفهمه من ذلك؟
نفهم أن الذكاء الروحي لا يراد له أن يكون: نوعاً إضافياً بجانب أنواع الذكاء فقط.
بل يراد له، أن يكون ذا حاكمية وتأثير في البناء الإدراكي العام للإنسان.
وهذه فكرة محورية.
مثال: المدركة الواحدة تعبر مجالات متعددة
تخيل إنساناً يتعلم أن:
الاختلاف لا يعني العداوة.
قد تبدو مدركة اجتماعية.
لكن انظر كيف يمكن أن تعبر حياته.
في العقل يصبح قادراً على الاستماع إلى رأي مخالف دون أن يغلق التحليل فوراً.
في العاطفة يقل ارتباط الخلاف بالغضب أو الخوف.
في العلاقات يصبح الحوار أسهل.
في العمل يمكنه استقبال نقد مهني دون أن يفسره كله كاستهداف شخصي.
في الأسرة يمكن أن يفهم اختلاف زوجته أو أولاده دون تحويل كل اختلاف إلى معركة سلطة.
في حياته الروحية يتعلم قدراً من التواضع ومعرفة حدود نفسه وعدم تأليه رأيه.
مدركة واحدة…
لكن آثارها عبرت أكثر من مجال.
وهذا مثال تعليمي يوضح الفكرة.
ومن هنا نفهم أن بناء الإنسان لا يحدث دائماً في خطوط منفصلة.
وصل التشابك لا التجزئة
وهنا نقترب من مفهوم سيأتي لاحقاً بتوسع: التشابك الارتقائي.
فالإنسان ليس صناديق مغلقة:
صندوق للعقل.
وصندوق للعاطفة.
وصندوق للأسرة.
وصندوق للعمل.
وصندوق للروح.
بل كل مجال يؤثر في الآخر.
مشكلة أسرية قد تدخل معك إلى العمل.
ضغط مهني قد يؤثر في عاطفتك.
حالة روحية قد تغير رؤيتك لمشكلة.
مدركة جديدة قد تعيد ترتيب أكثر من جانب.
ولهذا فإن التكامل ليس فكرة تجميلية.
إنه أقرب إلى واقع الإنسان المعاش.
وصل لماذا لا يكفي أن تكون ذكياً في مجال واحد؟
لأن الحياة لن تختبرك في ذلك المجال وحده.
قد تكون عبقرياً في الحساب… لكن حياتك الزوجية لا تسألك عن المعادلات.
وقد تكون ناجحاً في التجارة… لكن طفلك يحتاج إلى حضور وفهم.
وقد تكون محبوباً اجتماعياً… لكن قراراً مالياً خاطئاً يهدم سنوات من العمل.
وقد تكون عاطفياً رقيقاً… لكن موقفاً يحتاج إلى حزم فلا تستطيع.
وقد تكون واسع المعرفة الدينية… لكن إذا لم تتحول معرفتك إلى عبودية وأخلاق وفاعلية، بقي شيء من الغاية غير متحقق.
لهذا فإن الإنسان يحتاج إلى توازن.
لا بمعنى أن يصبح متساوي القوة في كل المجالات.
فهذا غير واقعي.
بل بمعنى أن تعمل جوانبه في تناغم تحت وعي أرقى.






