من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 54 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 3، الفصل 2.
1- ما الوعي؟
لنبدأ من الأصل.
في علم الذكاء الروحي يرد تعريف الوعي الروحي بأنه: مجمل الإدراكات الفعالة التي تتوهج عن الروح.
وهذه العبارة تحتاج إلى أن نتوقف عندها.
فلم يقل التعريف: الوعي معلومة.
ولم يقل: الوعي فكرة واحدة.
بل قال: مجمل الإدراكات الفعالة.
أي أننا أمام صورة أوسع من المدركة الواحدة.
فالمدركة الواحدة جزء.
أما الوعي فهو مجال أوسع تتحرك فيه المدركات وتتجمع وتتشابك.
ولهذا يرتبط تعريف الذكاء الروحي نفسه بحركة الإدراكات الفعالة فيما بينها تفصيلاً وإجمالاً.
فإذا أردت صورة أولية مبسطة جداً، فيمكن أن نقول: الإدراك يعطيك مدرَكة.
أما الوعي فيحمل عالماً من المدركات وعلاقاتها.
وهذه صياغة تعليمية تقريبية تساعدك على الدخول إلى الفكرة، ولا تستبدل التعريف الأصلي للوعي.
أنت لا تحمل معلومة واحدة عن العالم
تأمل أي شيء تعرفه.
خذ مثلاً:
الأم.
عندما تسمع كلمة «الأم»، هل يحضر في داخلك تعريف لغوي فقط؟
الجواب: لا.
هناك:
صورة.
وصوت.
وذكريات.
ومواقف.
وحب.
وربما ألم.
وتجارب.
ومعانٍ.
وتصورات عن الأمومة.
وأحكام.
وأخلاق.
وكل هذه المدركات ليست منفصلة تماماً.
لقد تشكل بينها نوع من البناء.
فكلمة واحدة تستطيع أن تحرك مساحة كبيرة فيك.
وهذا مثال بسيط يقرب معنى أن الوعي ليس وحدة منفردة.
إن داخلك عوالم كاملة من المدركات…عن:
الله تعالى.
والدين.
والناس.
والمال.
والنجاح.
والحب.
والأسرة.
والخوف.
والعمل.
والموت.
والمستقبل.
وعنك أنت.
وكل عالم من هذه العوالم لم يتكون غالباً من مدركة واحدة.
بل من تراكم طويل.
وهنا تبدأ في اكتشاف: أنك تحمل في داخلك عالماً.
وصل الوعي ليس ما تعرفه فقط
قد يعرف شخصان المعلومة نفسها.
لكن مكانها في وعي كل منهما مختلف.
يعرف كلاهما أن الوقت ثمين.
الأول يعرفها كعبارة محفوظة.
والثاني عاش تجارب جعلت معنى الوقت شديد الحضور في قراراته.
المعلومة واحدة من حيث اللفظ.
لكنها ليست في الموقع نفسه من بناء الوعي.
وهذا يجعلنا ننتقل من سؤال: كم تعرف؟
إلى: كيف تنتظم معارفك ومدركاتك في داخلك؟
وهذا هو المكان الذي تبدأ فيه هندسة الوعي.






