من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 55 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 3، الفصل 2.
2- كيف تتشكل الإدراكات؟
لا يولد الإنسان وهو يحمل كل المدركات التي يملكها اليوم.
إنه يدخل الحياة… ثم تبدأ الواردات.
يرى.
ويسمع.
ويلمس.
ويتذوق.
ويشم.
ويعيش.
ويتعلم.
ويسأل.
ويجرب.
ثم تتولد المدركات… وتستمر الحياة… فتزداد المدركات.
ولهذا تتحدث مادة علم الذكاء الروحي عن الكم التراكمي للمدركات والمعلومات المدركة، وعن أن استمرار الإدراك الفعال يصنع تراكماً، وأن هناك تسلسلاً وترتيباً إدراكياً؛ أي أن بعض المدركات تسبق غيرها في التكوين.
وهذه فكرة عظيمة.
لأنك حين تنظر إلى وعيك اليوم، فأنت لا تنظر إلى شيء تكوّن صباح هذا اليوم.
إنه بناء له تاريخ.
هناك مدركات قديمة جداً…وأخرى جديدة.
مدركات تعلمتها من والديك.
وأخرى من المدرسة.
وأخرى من الناس.
وأخرى من التجربة.
وأخرى من العلم.
وأخرى من العبادة.
وأخرى من الألم.
وأخرى من النجاح.
وأخرى من الخطأ.
كل هذا يدخل ــ بحسب موقعه وفاعليته ــ في عالمك الإدراكي.
وصل المدركات لها تاريخ
ربما تخاف اليوم من موقف معين.
لكن خوفك ليس وليد اللحظة كلها.
قد تكون هناك مدركة قديمة.
وربما حكم قديم.
وربما تجربة سابقة.
وربما معنى ترسخ منذ الطفولة.
ثم تأتي الحادثة الجديدة فتحرك شيئاً موجوداً من قبل.
وهنا تفهم لماذا كان السؤال: لماذا أدرك الأمور بهذه الطريقة؟ مهماً جداً.
لأن الإجابة قد تكون أعمق من الموقف الحالي.
قد يكون الإدراك الجديد قد التقى بمدركات قديمة.
وتشابك معها.
وأيقظها.
وأخذ منها معنى.
ولهذا فإن رحلة الوعي تعلمك ألا ترى كل استجابة فيك على أنها ولدت كاملة في اللحظة نفسها.
هناك تاريخ داخلي.
وهناك ترتيب.
وهناك تراكم.
وصل ليست كل المدركات في الدرجة نفسها
هناك أشياء تمر بك ثم لا تكاد تبقى.
وهناك أشياء تترك أثراً عميقاً.
وهناك مدركة تسمعها مرة فتغير طريقة فهمك لعشرات الأمور.
وهناك معلومة تسمعها مئة مرة ولا تتحرك فيك.
لماذا؟
هذا سؤال كبير من أسئلة هندسة الوعي.
ولن نستنفده هنا.
لكن يكفي أن تعرف: أن المدركات تختلف في مواقعها وقوتها وعلاقاتها داخل بناء الوعي.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل التعلم ليس مجرد عرض سريع للمعلومات.
فبعض المعارف تحتاج إلى:
شرح.
وربط.
وتكرار.
وتطبيق.
وتجربة.
حتى تأخذ مكانها الصحيح في البناء.






