من باب «حريَّةُ الشعوبِ».
مفتاحُ حرِّيةِ الشعوبِ :
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ هي التي حررتْ بني إسرائيل من سطوةِ علماءِ الرسومِ والحاخاماتِ .
عندما جاءتْ مريمُ عليها السلامُ وهي تحملُ سيدَنا المسيحَ بين يديها واتَّهموها بأنَّها جاءتْ بشئٍ فريٍّ شنيعٍ غيرِ مقبولٍ ، و جاءتْ بغلامٍ وهي لم تتزوجْ فما كانَ منها إلَّا أنْ أشارتْ إلى الرضيعِ ؛ فتكلَّمَ هذا الرضيعُ الحرُّ ابنُ مريمَ الحرَّة و قالَ رسولُ اللهِ ونطقَ بكلمتِهِ الأولى في مسامعهم ؛ فقد قال : ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) يَعني لستُ عبداً لأحدٍ منَ الكونِ ولستُ عبدَ الشهواتِ ، ولا عبدَ المناصبِ ، ولا عبدَ العِلمِ ، ولا عبدَ اللَّذَّاتِ ، ولاعبدَ الجاهاتِ ، ولا عبدَ المصالحِ ، وإنَّ عبوديَّتي للهِ وحده ( عَبدُ اللهِ ) وأنَّ اللهَ أعطاني الكتابَ وعلَّمَني كيفَ أكونُ حرَّاً وعلَّمَني حقائقَ هذهِ الحرِّيَّةِ .
إنجيلُ ( مار متَّى ) يقولُ : طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ .
أي عندما تكونُ روحُكَ من أجلِ اللهِ فإنكَ تُعاينُ ملكوتَ اللهِ .
ومثالٌ آخرُ يقولُ : ( إن مرور جملٍ من ثقب إبرةٍ أيسر من أن يدخل غنيٌ إلى ملكوت الله ) لا يدخلُ ملكوتَ اللهِ غنيٌ، أي الأغنياءُ لا يدخلونَ ملكوتَ اللهِ ، والأغنياءُ هم الذينَ استَغنُوا عن اسمِ اللهِ باسمِهم .
ويقولُ : أنا فعلتُ وأنا .. وأنا .. ويَنسبُ الكلَّ لذاتهِ البشريةِ، وهذَا شِركٌ ، فهوَ يُشرِكُ دونَ أن يَشعُرَ .
سيدُنا عيسى عليهِ السلامُ ابنُ مريمَ قالَ : أنا لمْ آتِ باسمِي ولا باسمِ المسيحِ ، أنا جئتُ باسمِ ربِّ المسيحِ وجئتُ باسمِ الرحمةِ الإلهيةِ و باسمِ السلامِ .
سيدُنا موسى وسيدُنا عيسى عليهما السلامُ إنَّما حرَّرا ببِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ فدَعُونا نتعلَّمُ منهما هذا الدرسَ و هذا السرَّ ، و نتعلَّمُ من حياةِ سيدِنا محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ و آلِهِ وَ صحبهِ وَ نفهمُ كيفَ فهِمَ بسملةَ القرءَانِ الكريمِ .
فنحنُ لا بدَّ أن نتعلَّمَ ونفهمَ ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) . كما تعلَّمَها سيدُنا محمدٌ صلَّى الله عليهِ و آلهِ و صحبِهِ وسلَّمَ لأنَّها مفتاحُ حريتِنا الأبديُّ ، لأننا قومٌ أعزَّنا اللهُ بالإسلامِ .
أما إذا كانَ هدُفنا غيرَ الإسلامِ و قوانينَ وضعيةٍ مختلفةٍ أذلَّنا اللهُ ، فهذهِ حقيقةٌ قالَها عمرُ بن الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ .
و نحنُ اليومَ في هذا العصرِ الحديثِ شهِدناها بأمِّ أعيُنِنا كيفَ عبدَتِ الشعوبُ حُكَّامَها وعَبَدُوا وفقَ القوانينِ الوضعيِّةِ وأصبحُوا يتكلمونَ باسمِ اللَّادينِ و باسمِ الشعبِ، كيفَ تغيَّرَتِ الأمورُ و فقدَ الإسلامُ الكثيرَ من أتباعهِ ، و اليومَ فإنَّ المسلمينَ بأمسِّ الحاجةِ إلى العودةِ إلى حضنِ الإسلامِ .. و لن يَرجعوا إلَّا بتحرُّرِهم من كلِّ الكائناتِ .
نعمْ أيُّها الشعبُ ، يا أهلَ القرءانِ الكريمِ ، يا أهلَ النورِ ، يا أهلَ الإسلامِ ، تعالَوا معاً لنتحرَّرَ من كلِّ المخلوقاتِ و نكونَ ببِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ وليسَ باسمِ أنفسِنا و كياناتِنا ، فمفتاحُ تحريرِ الشعوبِ إنَّما هو بتحقيقِ التخلُّقِ و التحقُّقِ ببِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ .
من كتاب «تفسير بنور الله تعالى، البسملة (1)»، تأليف هانيبال يوسف حرب، الطبعة الأولى 2018.


