وظيفة الولي المرشد
من كتاب «علم الاسم المتجلي الأعلى في القرآن الكريم» — البروفيسور هانيبال يوسف حرب.
الفَصْلُ الثَّالِثُ
وَظِيفَةُ الوَلِيِّ المُرشِدِ
البَـابُ الأوَّلُ
في وُجُوبِ التَّعَرُّفِ علَى الاسمِ المُتَجَلِّي الأعلَى
هَل وَاجـبٌ على العبدِ التَّعـرُّفُ علَى الاسمِ المُتجلِّي الأعـلَى ؟
الجَوابُ: هُوَ أنَّ التَّعرُّفَ على الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى ليسَ وَاجِبَاً فَحَسبُ بَل فَرضٌ، لأنَّ سِياسَةَ الكَونِ العُليــا الإلَهيـَّةِ لِسيَاسةِ أهلِ الدُّنيـَـا هي :
بسم الله الرحمن الرحيم ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات (56)
وَمرفُوضٌ أنْ يَعبدَ المَخلوقُ المَجهُولَ، فَالكَائناتُ عندَما عَبدَتِ المَجهولَ عُوقِبَتْ، عَاقبَهم اللهُ سُبحَانه وتَعَالى عِندَما عَبدُوا أحجَاراً وأصنَاماً لاتَضرُّ ولاتَنفَعُ، لَو سَألنَا الذِين عَبدُوا الحَجَرَ عَلى زَمَنِ سَيدِنا إبرَاهِيمَ أو إسمَاعِيلَ مَاهي البُنيَةُ الذَّريـَّةُ لِهَذا الحَجَرِ ؟ لايَعرفُونَ شَيئاً، فَكانُوا يَعبُدونَ المَجهولَ .
نَحنُ في الإسلَامِ لانَعبُدُ المَجهُولَ أبداً، وفِي هَذَا البَابِ في هذَا البَحرِ قالَ الإمَامُ عَليٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ عليه كُلُّ الصَّلاةِ والتَّسلِيمِ وآلِ البَيتِ أجمَعِينَ : ( قَالُوا: يَا إمَـامُ، أتَعرِفُ رَبَّكَ ؟ قـالَ: وهَل أسجُدُ لِمَنْ لا أعرِفُ ) .
نَحنُ في الإسلَامِ لانَعبدُ المَجهولَ بَل نَعبدُ المَعلومَ المَشهودَ الذِي عَرَّفَنَــا على ذَاتِـه بِذاتِـه، فَلا تَستطيعُ أنْ تَتعرَّفَ عَليه بِنَفسِكَ بَل تَتَعرَّفُ عَليه بِنَفسِهِ، لاتَتعرَّفُ عَليه بِعلمِكَ بَل تَتعرَّفُ عليه بِعِلمِـه، لاتَتعرَّفُ عليه بِمَعرِفتِك بَل تَتعرَّفُ عَليه بِمَعرِفتِه . ومِنْ هُنا كـانَ السُّلوكُ، وكانَت وَظِيفةُ الوُلِيِّ المُرشِدِ أنْ يُخَلِّصكَ مِنْ نَفسِك ومِنْ عِلمِك ومِنْ مَعرِفتكَ لِيُعطِيكَ نَفْسَهُ وعِلمَـه ومَعرِفَتـَه .
مَعرِفتُك مَخلُوقــةٌ قَاصِرةٌ، أمَّا مَعرِفتـُـه فَهِيَ مُطلَقـةٌ، فَلا يَعرِفُ المُقَيَّدُ المُطلَقَ، فَيجِبُ أنْ تَصِلَ إلى مَرحَلةٍ بَرزَخيَّـةٍ فِيها شَيءٌ مِنَ الإطلَاقِ كَي تَتَكَشَّفَ لَكَ أنوَارُ الإطلَاقِ، هذِه الحَضرةُ هِيَ حَضرَةُ الأسمَــاءِ، هِيَ هذَا الاسمُ المُتجلِّي الأعلَى ويَرمُـزُونَ لَهـا بِـالفَنـَـاءِ، يعنِي أنَّك سَوفَ تَتخلَّى تَمامـاً عَنِ القَيدِ والمَخلُوقيَّـةِ، فَتَصِلُ إلى أنْ تَتَحقَّقَ بِالإطـلَاقِ .
بِمَا أنَّكَ مَخلوقٌ مُقيَّـدٌ مَاذَا يَحصُلُ ؟؟؟
تَنفَصِلُ عَنْ ذَاتِكَ البَشريـَّـةِ، وتُصبحُ فِي حُدودِ الفَصْلِ، فَلا تَستطيعُ الوُصولَ إلى الإطلَاقِ، ولاتَستطِيعُ التَّخلُّصَ مِنَ القَيْدِ، لَكنْ لايُصبحُ القَيدُ حَاكِمَك، وإنَّمَا تَتَحرَّرُ مِنَ القَيدِ . هذِه الحُـريـَّـةُ مِنَ القَيـدِ هِيَ أوَّلُ عَتبَةٍ مِنَ الإطــلَاقِ، وهُنا يَحصُلُ الفَنَاءُ، وتَبدَأُ أنوَارُ الذَّاتِ بِأنْ تَأتيَ إليكَ فَتَتعرَّفُ فَتُصبحُ مِنَ العَـارِفينَ، هذِه حُـدودُك لاتَستطيعُ أنْ تَتَجـاوَزَها وتُصبحَ مُطلَقاً .
البَابُ الثَّانِي
أنْوَاعُ الوِلَايـَةِ
بَعضُ العُقولِ الخَفيفَةِ التِي لَمْ تَتَشرَّعْ وتَفهَمْ هذِه العُلومَ فِي القُرآنِ الكَريمِ بِهذَا العُمقِ، لمَّا وصَلَتْ إلى مَرحلةِ التَّحرُّرِ ظَنُّوا أنفُسَهم أنَّهُم مُطلَقِينَ، فَقَالُوا: أنا الله، هُم ليسُوا اللهَ بَل عَارِفينَ بِاللهِ، ولمَّا استَيقَظوا قَالُوا: إنَّهُم لَمْ يَتَحرَّروا، لَمْ يَصِلوا إلى الإطلَاقِ بَل تَحرَّروا بِنَوعٍ مِنَ الحُريَّةِ مِنْ حَضرَةٍ بَرزَخِيَّةٍ، وهي حَضرةُ الأسمَـاءِ .
تَكشَّفَتْ لَهمُ الحَقيقَةُ المُطلَقةُ فَظنُّوا أنَّهم مُطلَقونَ، ولمَّا رَجَعُوا إلى وَعيِهم استَغفَروا اللهَ وبَكَوا وقَالُوا: العبدُ لايُطلَقُ وإنَّمَا الإطلَاقُ كُلُّه للهِ سُبحَانَه وتَعَالى . اللهُ سبحَانه وتَعَالى إكرَامَاً لِهَذِه الحُريَّة عَنِ القَيدِ، وهذَا النُّزوعِ البَشريِّ إلى الحَقيقَةِ، وإكرَامَاً لِهذَا الشُّعورِ النَّبيلِ بِالسُّموِّ والارتِقَاءِ نَحوَهُ اعتَبَرَهُ بِالاعتبَارِ الإلَهيِّ كَامِلاً، فَسُميَّ الإنسانُ الكَــامِلُ وَلِيَّاً، ولَكِنَّ الكَمَــالَ للهِ وَحــدَهُ، فكَمالُنــا البَشريُّ هوَ كَمَالٌ نِسبِيٌّ عِبـارَةٌ عَنْ مَرتَبَةٍ وتَشرِيفٍ .
مَثَلُ رَجلٍ قــامَ بِبُطولاتٍ في الحَربِ فَسمَّوه عَميداً ولِواءً وعَقِيداً، نحنُ أيضَاً فَعَلنــا بُطولاتٍ في التَّخلِّي عَنِ القَيدِ فوَصَّلَنَا اللهُ سبحَانـه وتَعالى إلى مَرتَبةِ الكَمَــالِ البَشريِّ، فَصَارَ اسمُنَا الكَــامِـلين .
فَإذا استَطاعَ هذَا الكَاملُ البَشريُّ أنْ يُخلِّصَ ذَواتَ الكَائنَاتِ ويُطلِقَها، ويُوصلَها لِلحريَّةِ على أبوابِ التَّحرُّر الإطلَاقِيِّ سُمِّيَ كَامِلاً مُكمِّلاً، وصَارَت وِلايَتـُـه عَامَّــةً، لأنَّـه أصبــحَ اسمٌ يُشرِفُ على بَقيـــةِ الأسمـاءِ، وتَنـدَرجُ تَحتَـه الأسمـاءُ لِيُحرِّرَهـــا نَحـوَ الحَـقِّ .
أمَّا إذا استَطاعَ أنْ يُحرِّرَ نَفسَه مِنْ قُيُودِها، ورجعَ بِاللهِ، فَوجهُهُ إلى النَّاسِ مُقيدٌ، ولكنَّ ذَاتَه وقَلبَه نَحوَ الحَقِّ في حَالةِ تَحرُّرٍ أصبحَ اسمُه كَاملاً، ولكنْ لايَستطيعُ أنْ يُخرِجَ غَيرَه مِنْ حُجُبِه ورُعُوناتِه وقُيودِه وذَاتِيتِه، فَيُسمَّى كَاملاً غَيرَ مُكَمِلٍ، وبِالمُصطَلحِ يُسمَّى وِلايَةً خَاصَّةً، فَهذَا الـوَلـيُّ هوَ على تَكشُّفٍ ومَعرِفــةٍ باسمـِهِ المُتجلِّي الأعـلَى، ولكنْ لايَستطيعُ أنْ يُعرِّفَ الآخَرِينَ على أسمَائِهمُ الذَّاتيـَّــةِ .


