من باب «الوَعيُ».
توطئةٌ لعلومِ الوعيِ في البسملةِ :
لتعلمْ يا وليِّي في اللهِ تعالى أنَّ للبسملةِ في القرءانِ الكريمِ عوالمُ لا متناهية ولا يمكنُ لبشرٍ أن يقومَ بإحصائِها .
من هذهِ العوالمِ التي لم تُدرَّسْ كما يجبُ إلى يومِنا هذا تلك العوالمُ الخاصةُ بالوعيِ الذاتيِّ ، ولا يُقصَد بها البَشريةُ ووعيُها البشريُّ بل الوعي الكوني للأشياءِ.. للسماواتِ .. للأراضين .. للروحِ .. كلُّ شيءٍ في هذا الكونِ لهُ وعيٌ خاصٌ مرتبطٌ بـ ( بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) .
لأن الكائناتِ التي خلقَها اللهُ تعالى تعيشُ على هذا الوعي، حيثُ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ افتتحَ كلَّ شيءٍ في القرءانِ الكريمِ بـ (بِسم اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ) ، وإنَّ أيَّ عملٍ نقومُ بهِ نفتتحُهُ بـ (بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ) فعَلِمْنا أنَّ الوعيَ الذاتيَّ لكلِّ كائنٍ وكلَّ شيءٍ في هذا الكونِ مرتبطٌ بـِ (بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ) .
بما أنَّ تعريفَ لفظِ الجلالِ ( اللَّه ) هو : اسمٌ للذاتِ الموصوفةِ بالصفاتِ والمُسمَّاةِ بكلِّ الأسماءِ والتي تصدرُ عنها كلُّ الأفعالِ .
فاسمُ اللهِ جامعٌ لهذهِ الأسماءِ الإلهيَّةِ ، و بالتالي فكلُّ ما خرجَ من تجلياتِ الأسماءِ الإلهيَّةِ هذه مثل : ( الصبرِ منَ الصَّبورِ، الشُّكرِ منَ الشَّكورِ ، الانتقامِ منَ المنتقمِ ) كذلكَ كلُّ هذه العوالمِ خرجَتْ عن هذهِ الأسماءِ الحسنى وهيَ مرتبطةٌ بها .
فإذا علِمنا أنّ ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) انطوتْ فيها كلُّ الأسماءِ الإلهيَّةِ بلْ جمعَتْها في عبارتِها ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) ، علِمنا أنَّ كلَّ ما في الوجودِ مرتبطٌ بـ ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) .
ومِن هنا قالَ مَنْ قالَ ببركةِ وعلومِ وطاقاتِ ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) .
وبما أنَّ كلَّ شيءٍ هو مِنَ الأفعالِ الإلهيَّةِ الصادرةِ في الأفعالِ الكونيةِ مِن المخلوقاتِ وكل شيءٍ في هذا الوجودِ ؛ وكلَّ العوالمِ مرتبطةٌ بالأسماءِ الحسنى ؛ والأسماءَ الحسنى مطويةٌ بـِ ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) علِمنا أنَّه يوجدُ علاقةٌ بين ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) – هذه العبارة التي تتألفُ من أربعةِ ألفاظٍ – وبين الوعيِ الذاتيِّ للكائناتِ .
فمثلاً : للشجرِ وعيٌ خاصٌ ، و هذا الوعيُ الخاصُّ يعطي في كلِّ شجرةٍ مظهراً خاصاً هو أنَّ الساقَ يجبُ أن تنمو للأعلى باتجاهِ الشمسِ حتى تقومَ بعملِ تركيبٍ ضوئيٍ أو كما يُسمى إصطلاحاً ( التمثيلُ الضوئيُ ) ، ونفسُ هذا الوعي يعطي الشجرةَ بأنه يجبُ على الجذورِ أن تنموَ للأسفلِ حيثُ يوجدُ الماءُ .
لذلك نجدُ كلَّ الشجرِ على سطحِ الأرضِ ساقه للأعلى وجذوره في باطنِ الأرضِ لأنَّه يوجدُ وعيٌ خاصٌ للنباتِ محكومٌ بسلاسلَ وراثيةٍ يمثِّلُها الحمضُ النوويُ للنباتِ .
كذلكَ يوجدُ وعيٌ خاصٌ للحيوانِ .
نحن نعلمُ أنَّ للحيوانِ دماغٌ ولكن لا يوجدُ للنباتِ دماغٌ !!! وسواءً وُجِدَ دماغٌ أم لم يوجدْ فهناكَ وعيٌ خاصٌ في الكينونةِ مهما تكن .
مثلاً : للغيمِ مكانٌ معينٌ ينزلُ فيه مطراً فهو يرحلُ ويهبطُ في مكانٍ معينٍ ؛ فله سفرٌ خاصٌ موجَّهٌ دقيقٌ من كونِهِ رزقٌ مقسومٌ ؛ وله تفاعلٌ فيزيائيٌ كيميائيٌ كهرومغناطيسيٌ ؛ كما أنَّ هنالك تفاعلاتٌ كثيرةٌ لا يحصيها إلا الله تعالى في العلومِ ، و لكن في النتيجةِ كلُّ هذه المعادلاتِ مضبوطةٌ بسكةٍ واحدةٍ هي سكةُ الوعيِ الخاصِ بالغمامِ .
لذلك قالَ عزَّ وجلَّ : « كُلٌّ فِيْ فَلَكٍ يَسْبَحُون » كلُّ كائنٍ لهُ سكةٌ يمشي عليها ؛ ووعيُه يمشي على هذهِ السكةِ التي تخدمُ كينونةَ هذا المخلوقِ .
هذا الوعيُ الحيوانيُ ، الإنسانيُ ، النباتيُ ، الجماديُ ، الوعيُ الوجوديُ مرتبطٌ بـِ ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) .
( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) فيها كلُّ الأسماءِ الأوائلِ والأسماءِ الحسنى ، وكلُّ الأسماءِ الثواني التي سمَّى اللهُ بها نفسَه قبلَ خلْقِ الموجوداتِ ، فيمدُّ هذه العوالمَ بقدرتِهِ ، ويمدُّ الوعيَ في هذه الكائناتِ فإذا بهذهِ الكائناتِ تسيرُ بالوعيِ المُمَدِّ من اللهِ تعالى بقِوى الأسماءِ التي انطوَتْ في ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) .
إذاً ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) هيَ قوةٌ هائلةٌ وعوالمُ كثيرةٌ ولكنْ فيها عالَمٌ خاصٌ في إمدادِ الوعيِ الوجوديِ وسأفصِّلُ بشيءٍ من البَسطِ في هذا الوعيِ الخاصِّ في الإمدادِ الوجوديِّ إن شاء اللهُ تعالى في تضاعيفِ هذا المؤلَّفِ ، لأنَّ بسملةَ سورةِ الفاتحةِ وبسملةَ سورةِ البقرةِ والبسملاتِ في القرءانِ الكريمِ عموماً عميقةٌ في مكنوناتِها لذلك سوف أتكلَّمُ عن مكنوناتِ فضاءاتِ علومِ ، قدراتِ جلالِ بَسْطِ قِوى ، طاقاتِ حقائقِ ، دقائقِ وأسرارِ ( بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ ) .
من كتاب «تفسير بنور الله تعالى، البسملة (1)»، تأليف هانيبال يوسف حرب، الطبعة الأولى 2018.


