تصحيحُ خطأٍ عصريٍّ وتصويبُهُ :
لِنُصحِّحَ الخطأَ الذي قامَ بهِ الجيلُ المعاصرُ والذي لم يخطئْ بهِ السَّلَفُ الصالحُ رضيَ اللهُ تعالى عنهُم وهو : أنَّ الجيلَ المعاصرَ استهانَ بالحروفِ وانتقلَ إلى الألفاظِ المركَّبَةِ .. وتمَّ إبعادُهُ عن حقيقةِ الحُروفِ ومكنوناتِها القُدرويَّةِ والمعرفيَّةِ والنورانيَّةِ والروحيَّةِ ؛ وإليكم هذا المثالُ :
يَدرسُ الجيلُ المعاصرُ الأسماءَ الحُسنى ويَعيها ؛ فيقولُ : اللهُ الصبورُ ، اللهُ الشكورُ فيُعرَفُ اللهُ تعالى على أنهُ شَكورٌ ، ويُعرَفُ اللهُ تعالى على أنهُ صَبورٌ ؛ فاسمُ اللهِ تعالى الصَّبورِ بالنسبةِ لهُ اسمٌ من أسماءِ اللهِ تعالى وقد حَفِظَهُ وأخذَهُ على مَا هو عَليه ، والمَقصودُ بمعنى الصَّبورِ بالنسبةِ لهُ أي الذي يُصبِّرُ ؛ وانتهتِ المسألةُ عندَ اللَّفظِ .
بينما انتَبَهَ السَّلَفُ الصالحُ إلى أنَّ الأسماءَ الحُسنى إنَّما هيَ مُركَّبَاتٌ حَرفيَّةٌ ؛ وأنَّ الأسماءَ الحُسنى تتركَّبُ من مجموعةِ حُروفٍ .
فَفَهِموا لماذا اسمُ اللهِ تعالى الصَّبُورِ فيه أربعةُ حُروفٍ مخصوصةٍ هي ( ص ب و ر ) وليسَ فيه غيرَ هذه الحُروفِ .
وعَرَفوا كيفَ أنَّ الصبرَ لا يُعبَّرُ عنهُ إلَّا بهذهِ الحُروفِ ( ص ب و ر ) حُروفِ كلمةِ صَبورٍ كما هيَ .
وكيفَ أنَّ مكنوناتِ الصبرِ لا تكونُ إلا عَن هذهِ الحُروفِ الأربعةِ بأحديَّةٍ واحدةٍ ( ص ب و ر ) .
ولو غيَّرْنا التركيبَ لَتَغيَّرَتِ الإشراقاتُ النورانيَّةُ من ذاتِ هذا الاسمِ الإلهيِّ ..
ولَوَجَدنا أنفسَنا في معنىً آخرَ وعَالَمٍ آخرَ من نورانيَّاتِ الدَّلالاتِ المعنويةِ .
مثالٌ :
اسمُ اللهِ تَعالى ( الشَّكُور ) حُروفُهُ ( ش ك و ر ) فهو يُعطينا طاقةَ الشكوريةِ وهيَ غيرُ طاقةِ الصبرِ .
واسمُ اللهِ تعالى ( الرَّحِيم ) حُروفُهُ ( ر ح ي م ) فهو يُعطينا طاقةَ الرحيميةِ ولا يُعطِينا طاقةَ الشكورِيةِ ولا يُعطينا طاقةَ الصَّبورِيةِ .. وهذهِ ملاحظةٌ هامةٌ رَغمَ بساطتِها وبدهيَّتِها .
فمَنْ دَرَسَ الحُروفَ عَلِمَ أنَّ كلَّ مُركَّبٍ حرفيٍّ لهُ خصوصيةٌ ..
ولهُ روحانيةٌ ..
وتجلٍّ ..
ويُمثِّلُ طاقةً قدرويةً مختلفةً ، بل هو يَقودُ تَوجُّهاتِ الطاقةِ الخاصةِ المُنبثقةِ عنهُ من كَونِهِ اسمَاً ومن كونِهِ يَدلُّ على مُسمَّى هذا الاسمِ بصفةٍ ما .
فعلى سبيلِ المثالِ :
إذا أرادَ شخصٌ مَا الشفاءَ من مرضِهِ ؛ فمِنَ المؤكَّدِ أنّهُ يَتوجَّهُ إلى حُروفٍ .. بلْ يَتوجَّهُ إلى حُروفٍ خاصَّةٍ .. يُعرَفُ مِنها أنَّها طلبُ شِفاءٍ من الشَّافي الحقِّ تَعالى .
فلو أنَّ كلَّ الحُروفِ متماثلةٌ غيرُ مختلفةٍ ولا يوجَدُ هذا التمايزُ في عالَمِ الحُروفِ فيما بينها لَكانَ منَ المُمكنِ أن يقولَ المريضُ : يا منتقمُ اشفِنِي !! وهذا لا يَصحُّ لأنَّ المريضَ لا يريدُ أن يَتجلَّى عليهِ المنتقمُ تعالى بقدرتِهِ الانتقاميةِ بل هو بحاجةِ الشافي تعالى لِيَتجلَّى عليهِ برقائقِ نورِهِ الشافي .
فالمريضُ يأتي إلى حُروفٍ معيَّنةٍ هي ( ش ا ف ي ) أي إلى الاسمِ الشافي .
ولا يأتي إلى حُروفِ ( م ن ت ق م ) أي إلى الاسمِ المنتقمِ لا بترتيبِ حُروفِهِ ولا بتركيبِها .
ويَجدرُ بنا هنا أن نذكرَ أنَّ التركيبَ والترتيبَ كلاهُما مهمٌّ جداً لمعرفةِ ما يُشرقُ عن هذه الحُروفِ من قدراتٍ و أنوارٍ .
لذلكَ فإنَّ السَّلَفَ الصالحَ رضيَ اللهُ تعالى عنهم فَهِموا الحُروفَ التي تركَّبتْ منها الأسماءُ .. وبالتالي فَهِموا أنَّ :
السُّوَرَ مؤلَّفةٌ ومركَّبَةٌ ومرتبةٌ من جُمَلٍ .
والجُمَلَ مؤلَّفةٌ ومركَّبَةٌ ومرتَّبةٌ من آياتٍ ..
والآياتِ مؤلَّفةٌ ومركَّبَةٌ ومرتَّبةٌ من كلماتٍ ..
والكلماتِ مؤلَّفةٌ ومركَّبَةٌ ومرتبةٌ من حُروفٍ .
وكذلك فإنَّ الصورَ الأسمائيةَ مؤلَّفةٌ ومركَّبَةٌ ومرتَّبةٌ من حُروفٍ .
نَعَم .. لقد دَرسُوا الحُروفَ ، فلمَّا عَلِموهَا عَرَفوا الكثيرَ من تراكيبِ العلومِ وتراتيبِها الحرفيةِ في القرءانِ الكريمِ ..
وبالتالي فقد عَلِموا المَزيدَ من هذهِ الأسرارِ والأنوارِ في التراتيبِ والتراكيبِ في الهيكلِ النورانيِّ في البسملةِ وخصوصاً التراتيبَ والتراكيبَ الحرفيةَ في بسملةِ الفاتحةِ .
من كتاب «التراتيب والتراكيب»، الكتاب الثاني في بسملة سورة الفاتحة من سلسلة «تفسير بنور الله تعالى»، تأليف د. هانيبال يوسف حرب.


