صِلةُ رقائق الإطلاقِ والتقييدِ برقائق الجَمالِ والجلالِ :
لعلَّنا نعودُ هُنا إلى مثالِ كلمَتَيّ ( حَسَبَ وحَبَسَ ) :
حيثُ ينشأُ عنِ الترتيبِ الحرفيِّ ( ح ب س – حَبَسَ ) وعنِ الترتيبِ الحرفيِّ ( ح س ب – حَسَبَ ) هيكلانِ نورانيَّانِ ، وكلُّ هيكلٍ نورانيٍّ منهُما يُشيرُ في مسألةِ تحديدِ الإطلاقِ والتقييدِ إلى مسألةِ الجَمالِ والجلالِ .
فكلمةُ ( حَسَبَ ) مِن الحِسابِ حيثُ نرى هنا أننا في حالةِ جَمالٍ لأنَّ الحِسابَ هوَ عبارةٌ عن عمليةٍ رياضيةٍ متعلقةٍ بالحساباتِ كما ذَكَرْنا ؛ فهوَ ليسَ تجلِّي جلالٍ وإنَّما هوَ تجلِّي جَمالٍ .
إذاً ترتيبُ الحُروفِ ( ح س ب – حَسَبَ ) بهذا التسلسلِ إنَّما يُعطي حالةً خاصَّةً في الهيكلِ النورانيِّ للكلمةِ تشيرُ إلى حالةٍ من الجَمالِ فهي تجلِّي جَمالٍ .
بينما ترتيبُ الحُروفِ ( ح ب س – حَبَسَ ) بهذا التسلسلِ أنتَجَ كلمةً أنشَأتْ بترتيبِها الحرفيِّ الهيكلَ النورانيَّ للكلمةِ بأحديَّةِ الحُروفِ وأعطتْ تجلِّي جَلالٍ .
فكلمةُ ( حَبَسَ ) هي كلمةٌ جلاليةٌ ؛ وكلُّنا نخافُ من الحَبسِ ولا تُحِبُّ أرواحُنا الانحباسَ والانغلاقَ خاصةً أرواحُ العارفينَ والأولياءِ فهيَ تحبُّ الإطلاقَ .. حتى أنَّ أجسامَهم ترفضُ أن تكونَ مَركزاً أو مكاناً لحبسِ الروحِ فيهِ ؛ لذلكَ فإنَّهم يتطهَّرونَ عن شهواتِهم النفسيَّةِ ؛ ويتطهَّرونَ عن ارتباطِهمُ الدُّنيويِّ الجسمانيِّ والجَسَدانيِّ من أجلِ أن يتخلَّصُوا من هذا الحبسِ فتخرجُ أرواحُهم من هذا الحبسِ الماديِّ الجسديِّ وتتحرَّرُ في ملكوتِ اللهِ تعالى .
وبذلك نرى كيفَ أنَّ الهيكلَ النورانيَّ للكلمةِ الناشئَ عن التركيبِ والترتيبِ في الكلمةِ لم يُعطِ فقط الإطلاقَ أو التقييدَ ولكنَّهُ أيضاً حدَّدَ مسألةَ الجلالِ والجَمالِ فيما إذا كانَ هذا التعيينُ وهذا الترتيبُ وهذا الهيكلُ النورانيُّ جماليَّاً أم جلاليَّاً .
وكذا في بسملةِ الفاتحةِ : فإذا أردْنا أن ننظرَ في مسألةِ التراتيبِ الحرفيَّةِ نَرى أنَّ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } تضمَّنتِ الجَمالَ والجلالَ ؛ أي أنَّ تراتيبَها جماليةٌ جلاليةٌ ؛ فـاسمُ اللهِ { الرَّحْمَنِ } تجلٍّ جماليٌّ ؛ والهيكلُ النورانيُّ لِلَفظةِ { الرَّحْمَنِ } كما نسمعُها فيها تجلٍّ جماليٌّ في الظاهرِ وجلاليٌّ في الباطنِ .
ولكن كيفَ عَرَفنا أنَّه جلاليٌّ في الباطنِ ؟
عرَفنا ذلك من آياتٍ قرءانيَّةٍ أخرى تتكلَّمُ عنِ اسمِ اللهِ { الرَّحْمَنِ } مثلَ قولِهِ تَعالى في الآية (96)من سورة مريم :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً }
فالودُّ حالةُ حبٍّ .. بل ثباتٌ في الحبِّ ، فهو حالةٌ جماليَّةٌ .. إذاً فالتجلِّي الرحمانيُّ هنا كانَ جَماليَّاً .
بَينما نجدُ قولَهُ تَعالى في الآيَةِ (75) من سورةِ مريمَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً }
إذاً فالمَدَدُ الرحمانيُّ هنا إنَّما هو إمدادٌ جلاليٌّ .
وهناك آيةٌ أخرى وهيَ الآيةُ 61 في سُورةِ مريمَ أيضاً إذ يقولُ الحقُّ عزَّ مِن قائلٍ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً }
فالرَّحمنُ هُنا وعَدَ بجنَّاتِ عدنٍ وهذا تجلٍّ جماليٍّ .
وأيضاً وبنفسِ السُّورةِ و في الآيةِ (45) يقولُ الحقُّ سبحانَهُ وتَعالى : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً }
فالتَّجلِّي الرحمانيُّ هنا تجلِّي جلالٍ .
ممَّا سبقَ عَلِمْنا أنَّ في تجلِّي كلمةِ واسمِ { الرَّحْمَنِ } تجلِّي المكنوناتِ الذاتيَّةِ ؛ فهذهِ اللَّفظةُ التي هيَ اسمٌ من أسماءِ اللهِ سبحانَهُ وتَعالى إنَّمَا هيَ مانِحَةٌ من رقائقِ النُّورِ ومن هيكلِها النورانيِّ ما هوَ جَماليٌّ وما هو جلاليٌّ .
بينَما نجدُ أنَّ اسمَ اللهِ { الرَّحِيمِ } في القرءَانِ الكريمِ هو اسمٌ جَماليُّ فقط ؛ ولم يَرِدْ عنِ اسمِ { الرَّحِيمِ } أنَّهُ جلاليٌّ أو أنَّهُ قد خَرجَ من هيكلِهِ النورانيِّ ( بالنسبةِ للألفاظِ ) ماهوَ جلاليٌّ وإنَّما كانَ خروجاً لنورانيَّاتٍ جماليةٍ أي أنَّهُ من ألفاظِ وإمداداتِ الجَمالِ .
هذا من نورانيَّاتِ الحُروفِ ومنَ الهياكلِ النورانيَّةِ للحُروفِ .
من كتاب «التراتيب والتراكيب»، الكتاب الثاني في بسملة سورة الفاتحة من سلسلة «تفسير بنور الله تعالى»، تأليف د. هانيبال يوسف حرب.


