الاسم المتجلي الأعلى حضرة برزخية ومعرفية
من كتاب «علم الاسم المتجلي الأعلى في القرآن الكريم» — البروفيسور هانيبال يوسف حرب.
الفَصلُ الثَّـانِي
الاسمُ المُتَجَلِّي الأَعْلَى هُوَ حَضْرَةٌ بَرزَخِيـَّةٌ
إنَّ اللهَ المُطلقَ في ذَاتِهِ وصِفَاتِه عَلِمَ قَيْدَ العَبدِ في مَخلُوقيَّتهِ، فَجعَلَ لَه حَضرَةً بَرزَخيَّةً هِي الاسمُ المُتجلِّي الأعلَى، حَيثُ يَكونُ لِلحَقيقَة المَخلوقَةِ في العَبدِ وَجهٌ إلى هذَا الاسمِ، وبِالتَّالي هذَا الاسمُ يَقبَلُ بِحَقيقَةٍ مَوجُودةٍ في ذَاتِه " صِناعةُ التَّقييدِ في ذَاتِ المَخلُوقِ "، وبِنفسِ الوَقتِ يَكونُ في هذَا الاسمِ وَجهٌ إلى الذَّاتِ الخَالقَةِ المُطلقةِ فَيَقبَلُ هذَا الاسمُ في بُنيَةِ ذَاتِهِ " تَجَلِّيـاتِ المُطلَقِ " فَـالاسمُ المُتجلِّي الأعلَى ضَمْنَ هذَا الكَـلامِ يَحوِي الحَقيقَـةَ التَّاليَـةَ :
كُلُّ اسمٍ مُتجلٍّ أعلَى إنَّمَا هوَ على حَقيقَةٍ لَهَا الإطلَاقُ مِنْ جِهةِ التَّجلِّي الرُّبُوبِيِّ، ولَهَا التَّقييـدُ مِنْ جِهَـةِ التَّجلِّي علـى المَخلُـوقِ .
البَـابُ الأوَّلُ
الصَّلاةُ صِلَةٌ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ
قَالَ حَبِيبِي مُحمَّدٌ عَليه كُلُّ الصَّلاةِ والتَّسلِيمِ وعَلى آلِ البَيتِ وصَحبِهِ أجمَعِينَ في الحديثِ الصَّحِيحِ: ( الصَّلاةُ صِلَةٌ بَينَ العَبدِ وَ رَبِّهِ )، بِمَاذَا نَتَّصِلُ ؟ .
عَرَفنَا الوَصلَةَ بِالاسمِ المُتجلِّي الأعلَى لأنَّ الصَّلاةَ بِحَدِّ ذَاتِهــا تَسبِيحٌ وتَنزِيهٌ لِلاسمِ الأعلَى المُتجلِّي، الاسمُ المُتجلِّي عَلَيَّ عَلى مَدَار السَّاعــةِ يُعطِينِي تَكوِينــاتٍ وأفعَــالَاً .
في لَحظَةٍ مَا أدخُلُ في الصَّلاةِ، أمتَنِعُ عَنِ الأكلِ والشَّرابِ، فأنَا أُطبِّقُ الرُّكنَ الإسلَاميَّ رُكنَ الصِّيامِ، وَأُزكِّي مَالِيَ لأنَّه لَو عَمِلتُ بِهَذا الوَقتِ لَحصَّلتُ نُقُوداً فأنَا أتصَدَّقُ بِهَذا الوَقتِ وثَمنِه لِوجهِ اللهِ تَعَالى، وبِنَفسِ الوَقتِ أنَا على وُضُوءٍ، وبِنَفسِ الوَقتِ في حَالَةِ صِلةٍ مَعَ اللهِ، وبِنَفسِ الوقتِ أحُجُّ إليهِ لأنَّ الحَجَّ لُغة ًهوَ القَصدُ، فأنَا أقصِدُ التَّوجُه إلى الحَقِّ الإلَهيِّ، فأنَا هُنا أتَوَجَّـه إلى اسمِيَ الأعلَى، أقُومُ بِفِعلِ تَنزِيهٍ لِهذِه الذَّاتيَّة البَشريَّـة دَاخِلي فأُسبِّحُ الاسمَ، وأتَوَاصلُ مَعَ الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى لأطِلَّ وأنبَثِقَ مِنْ خِلالهِ إلى مُطارَحَة الوَصفِ الرُّبُوبِيِّ المُتجلِّي عَلَيَّ، لذَلك نَحنُ في عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ نَقولُ أنَّنَا نَعبدُ الذَّاتَ المَوصُوفةَ بِالصِّفاتِ فقط لاغَير، ولا نَعبُدُ الأسماءُ،لأنَّه مَمنُوعٌ لِلأسماءِ أنْ تَعبدَ بَعضَها البَعضَ، فنَعبُدُ اللهَ الذَّاتَ المَوصُوفـةَ بِالصِّفـاتِ، فإذا جَاء إنسَانٌ فَعبدَ الذَّاتَ بِدونِ الصِّفاتِ فهَذَا فَاسِقٌ، يُفَسَّقُ شَرعاً، وإذا عَبَدَ الصِّفـاتِ بِغيرِ الذَّاتِ فَهذَا إنسَانٌ كَـافِـرٌ، لأنَّ الصِّفـةَ لا تقُومُ بِنَفسِها، وإنَّمَا تَحتَـاجُ إلى ذَاتٍ لِتَقومَ بِهَـا .
بِالنَّتيجَةِ الذَّاتُ الإلَهيَّةُ أحَدِيَّةٌ في أوصَافِها لايُوجَدُ شَيءٌ زَائدٌ عنهَا ومُنفَصلٌ، " وَصْفُها أحَدِيٌّ في ذَاتِها " لِذلك المَنهَجُ الصَّحيحُ عِبَادةُ الذَّاتِ مَعَ الصِّفاتِ، والأسماءُ عِبارةٌ عَنِ الحَضرَةِ البَرزَخِيَّةِ لِلوصُولِ؛ أيْ عِبـارةٌ عَنْ مَسالِكَ ومَدارِجَ الوُصولِ إلى الحَقيقَـةِ الإلَهيَّـةِ لِلتَّحقُّقِ بِالحقِّ الأوَّلِ الذِي انبَثَقَ مِنه ذَواتُ المَخلُوقــاتِ العَــابدةِ .
فَلِذلك كُلُّ شيءٍ في الكونِ لَه وُجودٌ في الذِّهنِ، لَه وُجودٌ في الكِتابةِ، لَه وُجودٌ في اللَّفظِ، لَه وُجودٌ في الخارجِ، فَنَحنُ نَكتبُ شَمْسَاً لَها وُجودٌ في الخارجِ ونَرَاها، أمَّا الوُجودُ الذَّاتي الإلَهيُّ فَليسَ لَه وُجودٌ إلاّ مِنْ حَضرَةِ الأسماءِ، فَلا نَعلَمُ اللهَ إلاَّ مِنْ خلالِ الحَضرةِ الأسمَائيَّةِ، فَكأنَّ اللهَ سُبحَانه وتَعَالى جَعلَ حَضرةَ الأسماءِ هِيَ بَابُه وبابُ عَبيدِه لِلوصُولِ إلى مَا في يَدهِ.
إذاً بَوابَةُ الوصُولِ هِيَ حَضرةُ الأسماءِ، فَمَا عَرَجَ صَاحبُ مِعرَاجٍ إلاَّ مِنْ خلالِ اسمِهِ الذَّاتيِّ، وبالتالي عَلِمنَــا أنّ :
لِكُلِّ اسمٍ مِعرَاجُــه ومَنهجُ وُصولِــه، وسِكَّةُ ارتِقَــائِه وتَنَزُلاتِــه وفُهُومِـه وعُلُومِـه وأنوَارِه وأسرَارِه ودَقَائِقــِه ورَقَائِقِــه …. إلى آخِرِ أوصَافِـــه التِي لا تَنتَهِي .
البَـابُ الثَّانِي
الاسمُ المُتَجَلِّي الأعْلَى هُوَ حَضْرَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ
دَعونَا نُطَـارحُ قَاعدَتينِ مِنْ قَوَاعـدِ عِلْمِ الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى :
القَاعدةُ (1) : أنَّ هذَا الاسمَ لا يُعْلَّمُ وإنَّمَا يُعْلَمُ عَنه .
القَاعدةُ (2) : أنَّ الاسمَ لا يُعْلَّمُ ولكـنْ يُعْرَفُ .
مَهمَا تَحدَّثتُ عَنِ الاسمِ الأعلَى وقَواعدِه وضَوابطِه إنَّما أُعَلِّمُكم عَنه مَعلُوماتٍ، لَن يستطيعَ أحَدٌ بَعدَ قِراءَة هذَا العِلمِ أنْ يَعرِفَ الاسمَ الأعلَى المُتجلِّيَ عَليه، لأنَّه ليسَ حَضرَةً عِلميَّةً بَل حَضرَةٌ مَعرِفيَّةٌ، هُو عِبارةٌ عَنْ حَقيقَةٍ تَعيشُها فَتَتَعَرَّفُ عليها، لِذلكَ اسمُه العَارِفُ بِاللهِ وليسَ العَالِمُ بِاللهِ . العَالِمُ باللهِ مَنْ دَرَسَ قَوانينَ ودَساتِيرَ الشَّريعَةِ والقرآنِ والحَديثِ واللُّغةِ العَربيَّةِ، فَمَنْ طَارَح العُلومَ على اختِلافِ دَساتِيرِها وأنوَاعِها اسمُه العَالِمُ باللهِ، بَينمَا العَارِفُ باللهِ الذِي قَفزَ بِهذِه العُلومِ، وكانَت وَسيلةً مِنْ وَسائلِ الوُصولِ لِيَعرِفَ ويُطارِح الحَقيقَة بِحقَائِقها بِذَاتِيَّتها، فَتَتَكشَّفُ لَه ويَتكشَّفُ لَها.
فَالشُّهودُ مَعرِفةٌ ولكنْ لايُمكنُ الوُصولُ إلى هذِه المَعرِفةِ إلاَّ بِالعلمِ عَنْ هذِه الحَقيقَةِ، فنحنُ نَتعلَّمُ هذَا العِلمَ لِكي تُصبِحَ لَدينَا قَاعدةٌ أسَاسيَّةٌ نَستَنِيرُ بِها في سُلوكِنَا لِلوصُول إلى الحَقيقَةِ الذَّاتيَّةِ، وقَد نَدَبنَا اللهُ سُبحانَه وتَعَالى، وأكَّدَ عَلينَا في الكَثيرِ مِنْ دَسَاتيرِ القرآنِ أنَّنَا نَرجِعُ إلى هذَا البَحرِ عِندَما قالَ: ( وَإلَيهِ النُّشُورُ )، وفي مَكانٍ آخرَ ( وَإلَيهِ المَصِيرُ )، وفي مَكانٍ آخرَ قالَ: ( وَإلَيهِ تُرْجَعُونَ )، دَائمَـاً إليـهِ إليـهِ بِالإفـرَادِ .
بسم الله الرحمن الرحيم ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) الجمعة(8)
مَتَى يَرُدُّهم إلى عَالِم الغَيبِ والشَّهادةِ ؟. عندَما يَكونُوا غَافِلينَ في الدُّنيا يَقولُ لَهم: كُنتُم تَعمَلونَ كَذَا وَكَذَا، فَهُم بِحَاجةٍ إلى الحَضرَةِ العِلميَّةِ فَيَحرِمُهم التَّعرُّفَ، ويُعَذِّبُهم بالتَّعلُّمِ فَيَتعلَّمُون فَيَعلمُونَ فَيَتَألَّمونَ أنَّهم عَلِموا هذِه الحَقيقَةَ، كَيفَ لَم يُطَبِّقوها وَوصَلوا إلى مَرحلةِ الشَّاهِدِ والمَشهُودِ، لَاحِظوا كيفَ يُقسِمُ اللهُ والقَسمُ لايَجوزُ إلاَّ بِشيءٍ عَظيمٍ، ولمَّا كــانَ اللهُ سُبحانَه وتَعَالى هُو أعظَمُ شَيءٍ في حَيَاتِنــا نحنُ المسلمين، فَلا نُقسِمُ إلاَّ باللهِ، ولايَجـوزُ القَسمُ بِغيـرِ اللهِ .


