اعرف ربك: أنت ولي الله
من كتاب «علم الاسم المتجلي الأعلى في القرآن الكريم» — البروفيسور هانيبال يوسف حرب.
المَبحَثُ الثَّالِثُ مِنَ البَابِ الثَّالِثِ
اعْرِفْ رَبَّكَ … أنتَ وَلِيُّ اللهِ
كُلُّ واحدٍ مِنَّا لَهُ وَجهُـهُ الخَـاصُّ مِنَ الحَقِّ الذِي يَتجلَّى بِهِ عَليه، فَيَجِب أنْ نَكونَ مَرضِيينَ عندَ هـذَا الوَجـهِ الخَـاصِّ، حتَّى تَكونَ مَرضِيَّاً مِنْ هذَا الوجـهِ الخَاصِّ يَجبُ أنْ تَكونَ على عِلمٍ بِهذا الوَجـهِ، ولاتَستطِيعُ أنْ تَعرِفَ وجهَ اللهِ المُتجلِّي عليكَ " الوَجـهُ الخَاصُّ الإلَهيُّ المُتجلِّي عَليك " إلاّ مِنْ خـلالِ حَضرَةِ الأسمَـاءِ .
وبِالتَّالي نُدِبنَـا إلى مَعرِفــةِ الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى، فَكُلمَّا سَبَّحتَ الاسمَ الأعلَى؛ الاسمَ الذِي نَشأتَ مِنه بِسَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ، زَالتْ الحُجُبُ عَنْ بَصِيرَتكَ وذَاتِيَّتك، وعَنْ نُـورِ قَلبِكَ، وتَكَشَّفتْ لكَ مَعَالِمُ هذَا الاسمِ مِنْ وَراء هذِه الحُجُبُ المَرفُوعَةِ حتَّى تَصِلَ إلى مَرحَـلةٍ يَظهَرُ الاسمُ بِحَقيقَتِـهِ، وليس بِحُروفـه، وإنَّمَا بِذَاتيَّتـِه النُّورَانيَّـةِ، ولَحظَـةَ تَعَرُّفِك على هذِه الذَّاتيَّـةِ النُّورَانيَّةِ – هذَا الكَشفُ هذَا التَّعَرُّف في بُحُور وشَاهِدٍ ومَشهُودٍ – تُصبِحُ وَلِيـّاً للهِ، صاراسمُـكَ بِمَنُظومَتنَـا الإسلَامِيَّــة وَلـيَّاً .
بسم الله الرحمن الرحيم: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) يونس (62)
ألا إنَّ أولِيَاءَ اللهِ لَاخَوفٌ عَليهِم لأنَّهم مُستَندِين إلى رُكنٍ شَديدٍ، إلى حَقيقةٍ إلَهيَّةٍ صَحيحةٍ هي المُتجلِّيةُ فيهم؛ أيْ تَوحِيدٌ، ولاهُمْ يَحزَنونَ لأنَّهم عَرفُـوا الذَّاتَ الخَاصَّـةَ المُتجلِّيـةَ عَليهم، مَاذا سَيُحزِنُهم ؟ عَرضٌ دُنيويٌّ يَأتي ويَزُول، فَلا يَهُمُّهم، لقَد صَارَ اسمُـه وَليَّاً، تَعرَّفَ على ذَاتيَّتـه، عَرَفَ رَبَّـهُ الـذِي خَلَقَـه .
المَطلَبُ الأوَّلُ مِنَ المَبحَثِ الثَّالِثِ
فِي بَيَـانِ الـرُّكْـنِ الشَّدِيْـدِ
جَاء في الحَديثِ عَن حَبِيبِي المُصطَفَى صلى الله عليه وسلم حَيثُ قَالَ : ) رَحِمَ اللهُ أخِي يُونِسَ لَقَد كَانَ يَأوِيْ إلى رُكْنٍ شَدِيْدٍ ( مَاذا فَعلَ سَيدُنا يُونُسَ حِينَ رَأى الضَّغطَ الشَّديـدَ عَليه مِنْ كُلِّ مكـانٍ في زَمنِـه ؟، مَاذا قـالَ :
بسم الله الرحمن الرحيم ) قَـالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِي إِلَى رُكْـنٍ شَدِيـدٍ ( هود(80)
أو تُفيدُ التَّخييرَ، لَو عِندي قُوةٌ لَتَمَلكتُ هذِه العَوَالِم مِنْ حَولِي أو أرحَلُ إلى رُكْنٍ شَدِيـدٍ.
الرُّكـنُ هُو الزَّاويــةُ الشَّديـدَةُ ذَاتُ المَلَكَـةِ التِي يستطيعُ أنْ يَستنِدَ إليهَـا، في عَصرِنــا يَقولونَ إنَسانٌ ليسَ لـه ظَهرٌ؛ أيْ غَيرُ مَسنودٍ .
لمَّا قرَأ هذِه الآيةَ سَيدُنا مُحمَّدٌ عَليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قَالَ: ( رَحِمَ اللهُ أخِي يُونُسَ لَقَد كانَ يَأوِي إلى رُكنٍ شَديدٍ )، في الحَقيقَةِ كانَ يَأوِي إلى رُكنٍ شَديدٍ، وهوَ هذَا السَّندُ الذِي يَدعَمُ هذَا الكَـائِن . مَاهوَ هـذَا السَّندُ ؟
هوَ الوَجـهُ الخَــاصُّ … فَبينَ " أو التَّخييرِيَّةِ" اليُونُسيَّـة و بَينَ التَّعرِيفِ المُحمَّديِّ عَلمْنــا أنّ :
الرُّكـنَ الشَّديدَ هوَ الوَجهُ الخَـاصُّ الدَّاعِـمُ لِلعَبدِ، وهوَ الاسمُ المُتجـلِّي الأعـلَى الذِي هوَ بِالأصلِ مُتَرجِمٌ لِحقِيقةِ الوَصفِ الذَّاتيِّ المُتجلِّيـةِ على قَلبِ العَبدِ، يُسمِّيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رُكـنَاً شَديدَاً، هذَا هوَ السَّندُ، ليس كمَا يَقولُون في عَصرِنا.
ونَرَى في نِهايَة قِصَّة سَيدِنا يُونُسَ عَليه السَّلامُ أنَّه انْتَصرَ رَغمَ كُلِّ المُشكِلاتِ، لأنَّه لَاخَوفٌ عَليهم ولَاهُم يَحزَنُون، وبِالنَّتيجَة لَايَخافُ لَدَيَّ المُرسَلون، هذَا لايَعنِي أنَّ الحَضَاراتِ لَا تُحَاربُهم ولَا تَقْرَبُهم الشَّيَاطِينُ، وهذَا لايَعنِي أنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعَالى يَترُكُهم دُونَ مِحنَةٍ واختِبَارٍ، بَل يَئِزُّ عَليهِمُ الشَّياطِينَ أزَّاً، ويَقولُ لهُمُ اللهُ : اذْهبُوا ونَاظِروهُ وبِالنَّتيجَــةِ يَنتَصِرُ المُرسَلُ، ويَهزِمُ كُلَّ الحَضَراتِ الشَّيطَانيـَّـة مَهمَا طَالتِ المَعرَكــةُ، ولَكِنَّ العَاقِبــةَ لِلتَّقوَى؛ لأنَّ الـرُّكنَ الشَّديـدَ هوَ الذِي يَدعَمُ هذِه الحَضَـراتِ .
المَطلَبُ الثَّانِي مِنَ المَبحَثِ الثَّالِثِ
العَبْدُ أُحَـادِيُّ الوَجْـهِ
بسم الله الرحمن الرحيم ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) (54) ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) (55) سورة مريم
كانَ عندَ رَبِّـه مَرضِيَّاً؛ أيْ كانَ عندَ الذَّاتِ الإلَهيَّـة مَرضِيَّاً، لأنَّ كُلَّ الأوصَافِ إنَّمَا هِيَ أوصَافٌ واحِدَةٌ في أحَدِيَّـةٍ وَاحدَةٍ، ولكنْ مِنَ الحِكمَـةِ في الظَّــاهرِ أنْ تُعَامَلَ الخُصُوصيَّاتُ المَخلُوقيَّـةُ على إفرَادِهـا .
ليسَ كُلُّ إنسَانٍ يستطيعُ أنْ يَحضُرَ مَعَ اللهِ سُبحَانَه وتَعَالى بِأحَدِيَّـةٍ كَـامِلةٍ، هُناك مِنَ الأولِياءِ مَنْ يَشهدُ اللهَ بِأحَدِيَّته مَرَّةً صَباحاً ومرَّةً مَساءً، أو خَمسَ مَرَّاتٍ في اليومِ، وآخَرونَ في الأسبُوع مَرَّةً، أو في العُمرِ مَرَّةً، ومِنهُم إذا غَابَت عَنهم الأحَدِيَّـةُ الذَّاتيَّـة يَتَألَّمونَ كَمَا يَتألَّمُ أهـلُ النَّار في النَّـار. لماذا ؟؟؟
لا يُكَلِّف اللهُ نَفساً إلاَّ وُسْعَها مِنَ التَّجلِّي، لايَتَجلَّى عَليها إلاَّ بِوِسعِهـا الخَاصِّ، وبِالتَّالي كـانَ مِنْ رَحمَة اللهِ وحِكمَتـه أنْ يُخَصِّصَ لِهذَا العبدِ رِضَاً بِاسمٍ مُعينٍ .
أنتَ لا تستطيعُ أنْ تَكونَ رَاضٍ اسمَ اللهِ العَفوِ، وفي نَفسِ الحَالةِ على نَفسِ القَضيَّةِ أنْ تَكونَ رَاضٍ اسمَ اللهِ المُنتقِمِ، أنتَ تُريدُ أنْ تَعفُوَ عَنه لأنَّه أخطَأَ مَعكَ أو تَنتقِمَ مِنه، إمَّا أنْ تَنتقِمَ أو أنْ تَعفُوَ، فإِذا مَارَستَ تَجَلِّياتِ العَفوِ فَأنتَ تُرضِي العَفوَ، وإذا مَارَستَ تَجلِّياتِ الانتِقامِ فَأنتَ تُرضِي المُنتقِمَ، أمَّا في نَفسِ القَضيَّة تُرضِي هذَا وَهذَا في نَفسِ الوَقتِ لايَصِحُ؛ لأنَّ العبدَ أُحَــادِيُّ الوَجــهِ مُقيَّدٌ، بَينَمَا الحَقُّ سُبحَانَــه وتَعَالى هُوَ المُطلَقُ .


