قواعد في علم الاسم المتجلي الأعلى
من كتاب «علم الاسم المتجلي الأعلى في القرآن الكريم» — البروفيسور هانيبال يوسف حرب.
المَبحَثُ الثَّانِي مِنَ البَابِ الثَّالِثِ
قَـوَاعِدُ في عِلْمِ الاسمِ المُتَجَلِّي الأعْلَى
المَطلَبُ الأوَّلُ مِنَ المَبحَثِ الثَّانِي
عَوَالِمُ الاسمِ المُتَجَلِّي الأعْلَى تَأتِي بِالإِفْـرَادِ
في القُرآنِ الكَريمِ هُناكَ قَوَاعِدُ في هَذا الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى، نَبـدَأُ بِالقَـاعـدةِ التالِيـةِ:
أنَّه لَمْ يُخاطِبِ الإنسَانَ مِنْ جِهةِ الاسمِ الأعلَى إلاّ بِخُصُوصيَّـةِ
بسم الله الرحمن الرحيم :) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْـهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيـدِ ) سورة ق (16)
نَحنُ أقرَبُ إليهِ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ لَاحِظْ كيفَ أنَّ ألفَاظهَا مُفرَدَةٌ " أقربُ – إليهِ " للعبدِ، لكنَّ المَقصُودَ بِهَا كُلُّ العَبيدِ، مع أنَّ الخِطَابَ كـانَ بِالإفـرَادِ.
لِيَنْتَبِهَ أنَّها قَاعِدةٌ عَامَّـةٌ، قَانونٌ عَــامٌّ في عِلمِ الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى، ولَكِنَّها خَاصيَّــةٌ لِكلِّ فَردٍ .
دَعُونَا نَدرسُ هذِه الخَاصيَّةِ في سُورَةِ مَريمَ، والتِي تَفتَحُ لَنَا قَوانِينَ وأبواباً جَميلةً في عِلمِ الاسمِ المُتجلِّي .
حَضرةُ السُّورةِ المَريَميَّـة سُورةُ مَريمَ عليهَا السَّلامُ :
قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِندمَا تَحدَّثَ لَنَا عَنْ سَيدِنـا اسمَاعِيلَ عَليه السَّلامُ :
بسم الله الرحمن الرحيم ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) (54)
( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) (55)
تُعطِينَا هَذه الآيـةُ مَعلُومةً عَنْ هـذَا العَبدِ لِيُعطِينَا مِنْ خِـلالِ هذِه المَعلُومـةِ سِرَّاً جَميلاً مِنْ أسرَارِ عِلمِ الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى :
الشَّاهدُ في الآيـةِ في قَولـهِ " عِندَ رَبِّهِ مَرضِيَّا " هذِه الآيـةُ بِالذَّاتِ تَدعَمُ القَـاعدةَ التِي تَكَلمْنـا عَنها، حَيثُ قُلنَـا أنَّ عَوَالِمَ الاسمِ المتجلِّي الأعلَى تَأتِي دَائِماً بِشَكلٍ مُفرَدٍ، وإنْ كانَت هِيَ قَوانِينُ عَامَّـةٌ لِجَميعِ المَخلُوقَاتِ، حَيثُ أنَّه لَمْ يَقُلْ : كانَ عندَ الرَّبِّ مَرضِيَّا، بَل كانَ عندَ رَبِّـه بِالذَّات . لماذا ؟ رَبُّه غَيرُ رَبِّ العَالَمينَ، مِنَ المُؤكَّدِ لاَ … رَبُّه هُو رَبُّ العَالَمِين كُلُّهم، ولَكنْ عِندَما يُخَصِّصُ في القُرآنِ الكَريمِ رُبُوبِيَّته بِمظهَرٍ مَا بِتَجَلٍّ مَا فَهو يُشيْر إلى تَجلِّي هَذهِ الرُّبُوبيَّة مِنْ خِلالِ وَصْفٍ إلَهيٍّ ذَاتيٍّ مَا، وبِالتَّالي يُوصَف هَذا التَّجلِّي مِنْ خِلالِ هَذا الوَصفِ الإلَهيِّ بِاسمٍ مُعَيَّنٍ مُحدَّدٍ يُمكِنُ لِلمُتجلَّى عَليه؛ لِلعَبد المَخلُوقِ أنْ يَفهمَ مِنْ خِلَاله التَّواصُل مَعَ حَقِيقتِـه، وهِي الرُّبُوبيَّةُ المُتجلِّيةُ عَليه، لأنَّ الرُّبوبيَّةَ المُطلَقـةَ لايَستطيعُ أحَدٌ أنْ يَصِلَهَا، لَيستْ مِنْ مُدرَكَـاتِ وطَـاقـاتِ واستِطَاعـاتِ المَخلُوقــاتِ .
المَطلَبُ الثَّانِي مِنَ المَبحَثِ الثَّانِي
عَوَالِمُ الاسمِ المُتَجَلِّي الأعْلَى مِنْ بُحُـورِ الرُّبُوبيَّـةِ العُظْمَى
قَـاعدةٌ في عِلمِ الاسمِ المُتَجلِّي :
أنَّه لاَيَتَجلَّى على العَبدِ مِنَ الوَجهِ الخَاصِّ إلَّا اسمٌ وَاحدٌ هُو اسمٌ لِصفَةٍ وَاحدةٍ،
هَذه الصِّفـةُ حَصرَاً هِي وَصفٌ لِلرُّبُوبيَّـةِ .
لايَتجلَّى على أيِّ كَائنٍ في الكَونِ إلَّا الرُّبُوبيـَّةُ العُظمَى حَصرَاً، فَيَتجلَّى اللهُ على هَذا العَبدِ ليسَ مِنْ كَونِه إلَهُهُ بَل مِنْ كَونِه رَبُّـه " طَبعَاً الألُوهيَّةُ لَهَا تَجَلياتٌ لكنْ ليسَ مِنْ هَذا العِلمِ " مِنْ عِلمِ الاسمِ المُتجلِّي الأعـلَى لَايُمكِنُ لأيِّ كَـائنٍ أنْ يَعرِفَ وَجهَـهُ الخَـاصَّ إلى الحَقِّ إلَّا مِنْ بُحُـورِ الرُّبوبيَّـةِ، فَالرُّبُوبيَّةُ هِي فَقَط المُتجلِّيةُ على العَبدِ بِاسمِها المُتجلِّي الأعلَى لِذَلك قَالَ : عِندَ رَبِّـهِ، وليسَ عِندَ إلَهِهِ، فهُو يَـأتِي بِالوَصفِ الرُّبُوبِيِّ بِالذاتِ .
المَطلَبُ الثَّالِثُ مِنَ المَبحَثِ الثَّانِي
قَـاعِدَةٌ فِي اسمِ اللهِ الـرَّبِّ
بسم الله الرحمن الرحيم : } رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ { الأعراف(122) ، وفِي آيةٍ أخرَى بسم الله الرحمن الرحيم : } فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ هَــارُونَ وَمُوسَى { طـه(70) .
بِشكلٍ عـامٍ في عِلمِ الرُّبوبيَّـةِ وفي تَجلِّياتِهـا كَأسمَاءٍ بِالذاتِ في كُلِّ القُرآنِ لا نَجدُهــا إلَّا مُقيَّـدةً بالمضيف، لا تَجِـد أبـدَاً الاسمَ الرَّبَّ بِإطلاقِــهِ، لأنَّه ليسَ مِنْ مَقدُورِ البَشرِ إدرَاكُ هذِه الرُّبوبيَّةِ، لا تُدرِكُـه الأبصَارُ لا تُدرِكُـه العُقُولُ، تَعرِفُــه ولكنْ لاتَستطِيعُ أنْ تُحيطَ بِعِلمه، فَمَثلاً أنتَ تَرانِي الآنَ ولَكنْ لا تَعرِفُ مَا مَعِيَ مِنْ عُلُومٍ، ولا تَعرفُ مِقدَار مَحبَّتي لأبنَائِي، أنتَ تَرَاني ولكنْ لا تُدرِكُ ذَاتيَّتِي . فَنحنُ نَتَعرَّف على الرُّبوبيَّـة بُوجُوهِنَـا الخَـاصَّةِ، ولكنْ دُونَ أنْ نُحِيط بِهذِه الرُّبوبيَّـة .
بسم الله الرحمن الرحيم : } ….. وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ { البقرة(255)
إلاّ بِمَا شاءَ وَسِعَ كُرسيُّه السَّمواتِ والأرضَ، فَالتَّعرُّفُ على الوَجهِ الخَـاصِّ لا يَكونُ إلَّا مِنْ بُحُورِ الرُّبوبيَّة العُظمَى، ولكنْ لا نَستطيعُ أنْ نَتَعرَّفَ على هذِه الرُّبوبيَّةِ ضِمنَ العِلمِ القُرآنيِّ في عِلمِ الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى إلاّ مِنْ خـلالِ اسمٍ خَاصٍّ .
لِذلكَ أسماءُ الرُّبوبيَّـةِ في القُرآنِ وخُصوصَاً اسمُ الرَّبِّ بِالذَّات، لَمْ يَأتِ الاسمُ فَقَط، وإنَّما دَائماً هُناك إضَافـةٌ، فيقول: رَبُّ السَّمواتِ والأرضَ، رَبِّ العَالمينَ، رَبِّ مُوسَى وهَارونَ، رَبُّ الشِّعْرَ .
بسم الله الرحمن الرحيم: ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) مريم(55)
حتَّى في هذِه الآيةِ قَالَ: رَبِّهِ، وكانَ إضَافةُ عندَ رَبِّه مَرضِيَّا، الآيةُ هُنَا بِالإفرَادِ تَعنِي أنَّ إسمَاعِيلَ كانَ مَرضِيَّاً عِندَ اسمِه الخَاصِّ بِه، لَمْ يَقُلْ عنـدَ رَبِّ الكُـلِّ بَل رَبـِّه الـذَّاتيِّ الاسمِ المُتجلِّي الأعلَى .
فَكأنَّك أنتَ عندَما تُريدُ أنْ تَتحَقَّقَ بِمَا انطَوَى فيْك مِنَ العَالَمِ الأكبَرِ، وتُطبقَ آياتِ القُرآنِ، وتُطبقَ هذِه الخَريطَةَ القُرآنيَّةَ لِلوُصُولِ إلى حَقيقَةِ مَعرِفَتِك بِاللهِ سوفَ تَصِلُ إلى بُحورِ الحَضرَةِ الإسمَاعِيليَّة، فَتصِلُ إلى بُحُورِ هذِه المَنزِلةِ المَريَمِيَّة، وسَتَصِل إلى هذِه الآيةِ في القرآنِ الكَريمِ، وسَتَتعرَّفُ على سَيدِنا إسمَاعِيلَ عليهِ السَّلامُ كَيفَ كـانَ مَرضيَّاً عندَ رَبـِّهِ .
فَلمَّا تُريدُ أنْ تُطبِّق الآيةَ صَارَ المَطلُوبُ مِنكَ أنْ تكونَ مَرضيَّاً عندَ رَبِّكَ، هَذا هُو مَنهَجُنا الذِي يَجِبُ أنْ نُطَبقَه، والأنبيـاءُ لَكم فِيهِم أُسوَةٌ حَسنـةٌ، نُصلِّي كَمَا يُصلُّونَ، ونَفعَلُ كَمَا يفعَلونَ، وهَذا القرآنُ هُو مَنْهجُنا، ونحنُ يَجِبُ أنْ نَكونَ مَرضِيينَ عنـدَ رَبِّنَـا .


