هل تتجسد الكلمة
من كتاب «علم رؤية القول بالبصر بضوابط القرآن الكريم والسنة الشريفة» لهانيبال يوسف حرب، بتدوين عزيز فارس. النص الآتي من الأصل كما ورد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ
والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه و صَحبِهِ أجمَعِينَ
البَابُ الثَّامِنُ
هَل تَتَجَسَّدُ الكَلِمَةُ ؟
الكلمةُ مِنْ مَقَالِ الإنسَانِ تَتَجسَّدُ وَاقِعاً في الزَّمانِ والمَكانِ، أمَّا مَاذا تَتجسَّدُ فهوَ تَخلِيقٌ مَلائِكيٌّ مِنَ القولِ البَشرِيِّ، وهل مِنْ دَليلٍ في السُّنَّةِ الشَّرِيفةِ كيفَ تَتَخلَّقُ الكلمةُ وتَؤُولُ إلى مَلائِكةٍ ؟
جاءَ في الحَديثِ الشَّريفِ : "إنَّ اللهَ تعَالى يَخلقُ مِنْ تَسبِيحةِ أحدِكم مَلَاكاً يُسبِّحُ اللهَ تَحتَ العَرشِ، تقولُ أنا تَسبِيحةُ فُلانٍ بنِ فُلانٍ"
فأنْ تقولَ سبحَانَ اللهِ لَفظَاً يَتخلَّقُ مِنْ لَفظِكَ مَلاكَاً يُسبِّحُ اللهَ عَزَّ وجَلَّ طائِفاً تحتَ العَرشِ حتَّى يومِ البَعثِ، مُعرِّفاً باسمِكَ بأنَّه مُخلَّقٌ مِنْ قَولِكَ، ولكَ أجرُ هذَا التَّسبِيحِ مَا دَامَ المَلاكُ مُعرِّفاً بِكَ، فهذَا مَثَابٌ عَظيمٌ مِنْ رَبٍّ كريمٍ، وحينَ نَظرَ العَارِفونَ بِمدَارجِ الرُّؤيةِ تحتَ العَرشِ وَجدُوا أنَّ تِلكَ المَلائكةَ المُسبِّحةَ لَها دَويٌّ كَدوِيِّ النَّحلِ، لِكثَافةِ ذَاكَ التَّسبِيحِ وغزَارتِهِ، ومَا هذَا إلَّا غَيضٌ مِنْ فَيضِ الأحاديثِ الشَّريفَةِ الوَاردَةِ في كُتبِ الحَديثِ الشَّريفِ "التَّرغيبِ والتَّرهيبِ"، "جَامعِ الأصُولِ"، "تَيسِيرِ الوُصولِ" … إلخ، التِي تُظهِرُ وتُبيِّنُ حَقيقةَ مَآلِ الكلمةِ في التَّكوينِ والتَّخلِيقِ إلى ملائكةٍ في الوُجودِ والتَّحقِيقِ .
ومَا الحديثُ المذكورُ إلَّا لِلدلالةِ العلميَّةِ كَمَنهجٍ لِتحقِيقِ الغايةِ في الدَّلالةِ الفِكرِيَّةِ والقناعةِ المَنطِقيَّةِ، ونَأتي مِنْ هذَا الحديثِ على ذِكرِ أسرارٍ وتَفصِيلاتٍ أخرَى، عَلَّكَ تَعِي وَلِيِّي في اللهِ تعَالى مَا في هذَا الحديثِ مِنْ جَوهرٍ ومُحتوَى .
أمَّا السِّرُّ الأوَّلُ في هذَا الحديثِ :
أنَّ قوليَ: " سبحَانَ اللهِ " يُخلِّقُ اللهُ منه مَلَاكاً مُسبِّحاً إلى يومِ يُبعثُونَ .
وحدثَ أنَّ عَارفاً باللهِ تعَالى طلبَ مِنْ أحدِهم في المسجدِ أنْ يُغيِّرَ مَا حدَّثَ به نفسَه بِهمساتٍ وهَمهَمَاتٍ لَمْ يَسمعْها أحدٌ ولَمْ يَعِيها غيرُه، والسُّؤالُ كيفَ عرفَ ذاكَ العارفُ هَمساتِ ذاكَ الإنسانِ في نفسِ الزَّمانِ والمكانِ حيثُ كانَ .
أُجيبُك وأُفهِّمُك بلغةِ البيانِ هوَ أنَّه قد رَأى الكلماتِ رُؤيةً بَصرِيَّةً قد تَخلَّقت وتَجسَّدَت حَقِيقةً مَاديَّةً تماماً كَمَا رَآها مَلَاكُ الرَّقيبِ عَتِيدِ، فَكتبَها كلمةَ سُوءٍ في صَحيفةِ السَّيئَاتِ، فطلبَ العارفُ منه أنْ يُغيِّرَ المعنَى السَّاكنَ فيه لِتَتبدَّدَ الصُّورُ القبيحةُ المَرسومةُ بتلكَ الكلماتِ، والتِي شهدَها ورآها مِنْ سُوءِ الغَاياتِ .
فذَاك نورُ العَارفِين يَهتدُون به، قالَ تعَالى: {… نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ … } التحريم8، نورُ الرَّقابةِ مِنَ اسمِ اللهِ الرَّقيبِ، فأيَّ مؤمنٍ لا على التحديدِ أو التقييدِ يُسبِّحُ الخالِقَ بكلماتِ التَّسبِيحِ، يَتخلَّقُ مِنْ كلماتِهِ مَلَائكةٌ إلى يومِ القيامةِ .


