فصل بل وصل في الذكر على دنس
من كتاب «علم رؤية القول بالبصر بضوابط القرآن الكريم والسنة الشريفة» لهانيبال يوسف حرب، بتدوين عزيز فارس. النص الآتي من الأصل كما ورد.
سياق القراءة: هذا الفصل من الباب الثامن: هل تتجسد الكلمة؟
فَصْلٌ بَل وَصْلٌ ، فِي الذِكْرِ على دَنَسٍ:
لِتُبصِرْ وَلِيِّي في اللهِ تعَالى الفَارقَ بينَ الذَّاكرِ طَاهِراً والذَّاكرِ دَنِسَاً، فقد جاءَ في الحديثِ الشَّريفِ: رَوَى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ عَنْ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: "مَنْ أكلَ الثُّومَ والبصلَ والكُرَّاثَ، فَلا يَقرَبَنَّ مَسجدِنا؛ فإنَّ المَلائِكةَ تَتأذَّى مِمَّا يَتأذَّى منه بَنو آدمَ"
أنْ يكونَ رَجلاً مخموراً ويقولُ: " سُبحانَ اللهِ " على مَشهدِ رَاقِصةٍ شِبهِ عاريةٍ، فهذَا ذِكْرٌ على دَنَسٍ والعِياذُ باللهِ، ويَتخلَّقُ المَلَاكُ مَصبُوغاً برائحةِ الخمرِ، ويَبقَى على خِلقَتِه هذِه إلى يومِ القيامةِ، وأقرَبُ صُورةٍ لِتلكَ الحَالِ أنَّ رجلاً قد وُلِدَ وطَبِيعةُ جِلدِه نَتِنةٌ، فأينَمَا حَلَّ تَأذَّى منه مَنْ حولَه، ونَبذُوه وغَادرُوه، فكيفَ هيَ حَالُه وكيف هي حيَاتُه، وكذلكَ الأمرُ لِمَنْ يأكلُ البصلَ والثُّومَ ويَذكرُ بأنفاسِه الكرِيهةِ اللهَ عَزَّ وجَلَّ فهوَ يُخلِّقُ مَلائكةً مُشوَّهةً خَلقِيَّاً – إنْ صَحَّ التَّعبِيرُ- مُلَّوثِينَ بِيئِيَّاً إلى يومِ يُبعثونَ، فلِلعبدِ ثوابُ التَّسبِيحِ وعليه عِقابُ التَّدنِيسِ .
و في رِوايةٍ أُخرَى قالَ عليه الصَّلاةُ و السَّلامُ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا"، وَفِي رِوَايَةٍ أخرَى: "فَلا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، لأنَّ البصلَ والثُّومَ مِنْ شَجرَتينِ خَبِيثَتَينِ، فَالملائكةُ تَتَأذَّى مِمَّا يَتَأذَّى منه البَشرُ.
و كذَا مِثالُ التَّدخِينِ، فهل تستطيعُ تَحمُّلَ رائحةِ الدُّخانِ الصَّاعدِ مِنْ مِدخَنةِ المَنزِلِ؟ كذَلكَ المُدخِّنُ تُصبِحُ رِئتَاهُ مِدخَنةً فتَخرجُ كلماتُه على رَائِحَتِها، فَالمُعضِلةُ أنَّ تَخلِيقَ هذَا المَلاكِ بالكلمةِ ليسَ بالأمرِ المُؤقتِ، وإنَّمَا يَتخلَّقُ مَلاكٌ مُسبِّحٌ إلى يومِ القيامةِ، فَعَدَمُ حِفظِكَ لِمَسارِي الذِّكرِ لديكَ فهذَا على ملائِكةِ الحَقِّ تَعَدٍّ، فالمَلائكةُ حَضرَةُ طُهرٍ .
أنتَ كَبَشرٍ حينَ تَتَّسِخُ تَغتسِلُ تَطهُرُ، ولكِنْ كيفَ الأمرُ حينَ يكونُ النَّتَنُ هوَ أساسٌ في تَخلِيقِكَ، فهوَ أشبَه بِمَرَضِ الخَلَايا السَّرَطانيَّةِ حينَ تَنتَشِرُ فَتَستهلِكُ البدنَ حتَّى يَفنَى .
فَحِينَ يَأتِيك مُعترِضٌ على العلمِ بأنَّه يقولُ القولَ فَلا يَفعَلُ، فَلا تَقُلْ له لأنَّه يَكذبُ أو يَزنِي أو يَسرِقُ أو يَفسُقُ، فهوَ على دِرايةٍ بمَا يَفعلُ، فكَمَا تُدِينُ تُدَانُ، و بإمكانِكَ أنْ تُراجعَ كُتُبَ عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجمَاعةِ، وهيَ كَثيرةٌ كَكِتابِ "البَاجُورِي"، "جَوهرَةِ التَّوحيدِ"، "اللَّقانِي"، "الصَّاوِي"…إلخ، كيفَ يَحرُمُ ذِكرُ اللهِ على دَنَسٍ .
مِثالٌ آخرُ: رَجُلٌ هَمَّ بالزِّنَى فقالَ: "بسم الله الرحمن الرحيم" وفَعَلَ الزِّنَى، يكونُ قد خَلَّقَ مَلَاكاً شَهِدَ في أوَّلِ وجودٍ له فُجُورَ وفُسُوقَ أُناسٍ عُرَاةٍ خَارِجِينَ عَنْ شَرعِ الحقِّ، يَصعَدُ لِلملكوتِ يَشكُو لِلحقِّ مَا شَهِدَ، إنِّي رأيتُ فُلاناً وفُلانةً يَزنِيان، فَيَفضحُهما في المَلكوتِ، واللهُ يريدُ لهُما السَّترَ فَيَفضَحَا نَفسَيهِما، فَمَا ذَنبُ ذاكَ الملاكِ يَحيَا حَياتَه إلى يومِ يُبعَثونَ، وقد احتوَى تِلكَ الصُّورَ الدَّنِسةَ ؟ وهوَ بينَ جُموعِ المَلائكةِ التِي منها تَسبِيحةُ العَارفِ فلانٍ أنواراً مُتلألِئةً طُهرَاً وبَهاءَاً، ومنها تَسبِيحةُ الذَّاكرِ فُلانٍ مُتألِقةً نُوراً وجَمَالاً، إلا ذَاكَ المَلاكَ يُؤدِّي ذِكرَ ذاكَ الرَّجلِ بِمحتوَى صُورةٍ بَشعةٍ دَنِسةٍ إلى يومِ القيامةِ، وهذَا مِنْ أسبابِ قَولِه تعَالى: { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ …..} الصف3 .
ومِنه نَأتِي على الحَقيقةِ التَّاليةِ: بِمَا أنَّ كُلَّ كَلمةٍ يَتخلَّقُ منها مَلَاكٌ، وكِتابُ القرآنِ هوَ مَصفُوفةٌ حَرفِيَّةٌ كَلَاميَّةٌ، فهذَا يعنِي أنَّ كُلَّ كَلمةٍ في كِتابِ الحَقِّ هيَ شِيفرَةُ تَخلِيقِ مَلَائكةٍ مَحدُدةٍ هي مَلَائكةُ الآيةِ، وفي عَقِيدتِنا عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ أنَّ القرآنَ غَيرُ مَخلُوقٍ، ومَنْ يقولُ غيرَ ذلكَ فقَد كَفَرَ، فَكُلُّ كَلمةٍ تَقرَأُها مِنْ كتابِ القرآنِ تَتخلَّقُ منها مَلَائكةٌ تُسبِّحُ اللهَ تحتَ العَرشِ إلى يومِ البَعثِ، مُعرَّفِينَ بذِكرِ الذَّاكرِ لها، وهي أرقَى نَوعاً مِنْ أنواعِ المَلَائكةِ لأنَّها مَلَائكةُ ذِكرِ اللهِ بكلامِ اللهِ، فالذِي لدَيهِ آياتٌ وسُوَرٌ يَكونُ ذُو تَسخِيراتٍ أقوَى وأعلَى لأنَّ مَلَائكةَ الآيةِ تكونُ أقوَى مِنْ مَلَائكةِ أيِّ كَلامٍ آخرَ، فَالمَلَائكةُ التِي تَتخلَّقُ مِنْ ذِكرِكَ لِآياتِ اللهِ الكريمةِ أقوَى مِنْ مَلَائكةِ أذكَارٍ أُخرَى، وهذَا سِرٌّ تَسخِيريٌّ مِنْ أعجَبِ الأسرَارِ التَّسخِيريَّةِ، لِذلكَ نَجِدُ العَارفِينَ باللهِ تعَالى تَتسخَّرُ لهمُ الأكوَانُ بِكلمةٍ.


