فصل بل وصل في تجسيد كلمة الله أكبر
من كتاب «علم رؤية القول بالبصر بضوابط القرآن الكريم والسنة الشريفة» لهانيبال يوسف حرب، بتدوين عزيز فارس. النص الآتي من الأصل كما ورد.
سياق القراءة: هذا الفصل من الباب الثامن: هل تتجسد الكلمة؟
فَصْلٌ بَل وَصْلٌ، في تَجْسِيْدِ كَلِمَةِ "اللهُ أكبَرُ":
جاءَ في الحَديثِ الحسنِ الذِي لَه مَا يُعَضِّدُه مِنَ الشَّواهِدِ عَنْ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ قالَ: "إذَا رَأيتُمُ الحَرِيقَ فَكَبِّرُوا فَإنَّهُ يُطْفِئُه"، وفي لَفظٍ فإنَّ التَّكبِيرَ يُطْفِئُه، قالَ السَّخَاوِيُّ رَوَاه الطَّبَرانيُّ عَنْ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، وَرَوَاه البَيهَقيُّ بِلفظِ استَعِينوا على إطفاءِ الحَريقِ بِالتَّكبِيرِ، وَرَوَاه الطَّبرَانيُّ أيضاً عَنْ أبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ بِلفظِ أطفِئُوا الحَريقَ بالتَّكبِيرِ .
و حَدثَ أنَّه في مَنطِقةِ رُكنِ الدِّينِ في دِمشقَ أنَّ مَنزِلاً التَهَبَ بِنِيرانِ الحريقِ، وضَجَّ النَّاسُ بِمَا رَأَوا مُحتَشِدينَ على قَارعةِ الطَّرِيقِ، عَاجِزينَ عَنْ إخمَادِ الحريقِ وإطفَاءِ النِيرَانِ، وإذْ بِيْ ألمَحُ رَجلاً بَسِيطَ المَلَابسِ وبِيدِه سُبْحَةٌ، تَمْتَمَ عندَ جِدارِ البِناءِ وهَمهَمَ، فإذا بالنَّارِ تَهمَدُ وتَتَلاشَى، وَ وَصلَتِ المَطافِئُ ورِجَالاتُها والحريقُ قد خَمَدَ، سَألتُه مَاذا فَعلْتَ؟ قالَ ذِكرٌ، سَألتُه أَقُلتَ "اللهُ أكبرُ" ؟ قالَ: "اُسْتُرنَا".
وممَّنْ مَلَكوا هذَا السِّرَّ سَيِّدُنا تَمِيمٌ الدَّاريُّ رضيَ اللهُ عنه، إذْ نَادَوا أميرَ المُؤمِنينَ عمرَ بنَ الخَطابِ، "يا أميرَ المُؤمِنينَ بَيتُ فلانٍ يَحترِقُ"،فَأجَابَهم: "عليكُم بِتَمِيمٍ الدَّاريِّ"، فقَد وَرَدَ أنَّ الصَحَابيَّ الجَليلَ تَميماً الدَّاريَّ رضيَ اللهُ عنه ( كانَ يَكنُسُ النَّارَ كَنسَاً )، فسُلطَانُ هذَا الصحابِيِّ على النَّارِ مِنْ بُحُورِ رُؤيَةِ القولِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ، رُؤيةٌ مُحقَّقةٌ، فقَولُه: "اللهُ أكبرُ"، يَخلُقُ اللهُ تعَالى منه مَلَكاً، هذَا المَلَكُ له سُلطانٌ على عَالَمِ النِّيرَانِ، فمَنْ يَتَلبَّسُه شَيطانٌ يُعالَجُ بأنْ يُقامَ الآذانُ في أُذُنِه " اللهُ أكبرُ … اللهُ أكبرُ …"، لأنَّ هذِه الكَلمةَ يُخلِّقُ اللهُ منها مَلَاكاً تَرتَعِدُ فَرائِصُ النَّارِ منه؛ فَيَهربُ الشَّيطانُ المَخلُوقُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، إذْ أنَّ إبلِيسَ كَائنٌ نَاريٌّ يَهرُبُ مِنْ سُلطَانِ هذَا المَلَاكِ، و يَستمِرُّ ابتِعَادُه حتَّى لا يَسمَعُ تَرَدداتِ ذلكَ الذِّكرِ .
وهذَا بَيانٌ لِقوةِ هذَا المَلَاكِ الذِي يَخلُقُه اللهُ مِنْ لَفظِ "اللهُ أكبرُ"، وهذَا أيضاً تَفسِيرُ قَولِنا "اللهُ أكبرُ" عِندَ ابتِدَاءِ الصَّلاةِ، فَتَتَلَاشَى شَهوَاتُكَ وغَضَبُكَ النَّاريُّ بِقولِكَ اللهُ أكبرُ، و تَنطَفِئُ تِلكَ النَّارُ، فَمَنْ كانَ بِهِ غَضَبٌ وصلَّى ولَمْ تَذهبْ صَلاتُه بِغضبِه؛ فصَلاتُه غَيرُ فَاعلةٍ وغَيرُ مُجدِيةٍ وغَيرُ مُؤثِرةٍ، وهذَا مُؤشِّرٌ على أنَّ صَلاتَه غَيرُ مُتقبَّلةٍ أصلاً مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ .
و إليكَ هذَا السِّرَّ (( في حَالِ الغَضَبِيَّاتِ )): "إذَا كانَ هناكَ مُشاجرَةٌ أو مُشاحَنةٌ كَبِّروا اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، فَيَهمدُ العَالَمُ النَّاريُّ ويَتلاشَى العَجَاجُ الأسوَدُ".
العَجَاجُ : هوَ الغُبارُ الذِي تُثِيرُه خُيولُ الحَربِ .
الأسوَدُ : يَعنِي أنَّه في مُنتهَى القَذَارةِ والدَّنَسِ .
ففِي الأعيادِ نُكَبِّرُ، وفي الحُروبِ نُكبِّرُ، ولدَى ذَبحِ الأُضحِيةِ نُكبِّرُ، لَعلَّ كَائناً مِنَ الجِنِّ مُتلَبِّسٌ جَسدَ الشَّاةِ .
و جاءَ الحديثُ المَرفوعُ : " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وُهَيْبٍ الْغَزِّيِّ ، قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَّانِيُّ ، قَالَ: نَا بَقِيَّةُ ، قَالَ: نَا عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، قَالَ: نَا أَبُو كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " :زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ "، لا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ .
و سَندرسُ هذَا الحديثَ إنْ شاءَ اللهُ تعَالى في علمِ التَّكبِيرِ، حيثُ أنَّه في الأعيَادِ تَتَفلَّتُ النّاسُ على عَالَمِ البَسطِ وعَالَمِ المُتعَةِ، وتُخالِطُ النِّساءُ الرِّجالَ، فَنُكبِّرُ لِتكونَ السَّعادةُ على نَقاءٍ وطُهرٍ.
ومِنْ أخطرِ مَا نُشاهدُه في هذَا العَصرِ مُطرِبٌ يَلفظُ لَفظَ الجَلالَةِ "اللهَ" على أنغَامِ الرَّقصِ والطَّرَبِ المُتَفلِّتِ الذِي يُمكِنُ أنْ نَدعوَه الطَّرَبَ العَارِيَ، والرَّاقِصةُ العَارِيةُ تتَمَايلُ على لَفظةِ الجَلالَةِ "الله"، و هذَا غَيرُ جَائِزٍوالعِياذُ باللهِ .
مُجتمعُ قَولٍ بِدونِ فِعلٍ يُناسِبُه، هذِه البِيئةُ المُشوَّهةُ، تَقولُونَ مَا لا تَفعَلونَ، { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } الصف3، مُجتمعٌ يقولُ أنَّه يُنزِّه اللهَ ولا يُنزِّهُه، إذْ يَغدُو العُهرُ في هذَا المُجتمعِ رَسمِيَّاً وقَانُونيَّاً على شَاشَاتِ التَّلفَزةِ، فكَيفَ بِرأيِك يكونُ المَدَدُ المَلَكوتيُّ والتَّأييدُ المَلَائِكيُّ لِمُجتمعٍ مِثلِ مُجتمعِنا الحَاليِّ ؟!، وكيفَ يَتحقَّقُ التَّسخِيرُ الكَونِيُّ لِخَلائقَ بَعيدِينَ عَنِ الحَقَائقِ ؟! .
هذَا مِنْ كلمةٍ لا يُلقِي لها بَالاً تَهوِي بِصاحِبِها سَبعِينَ خَرِيفاً في جَهنَّمَ، فكيفَ بِأقوالٍ وأفعَالٍ نُدرِكُ تَماماً أنَّها مُخالِفةٌ لِشرِعِ الحَقِّ وضَوَابطِه!
{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } البقرة134.
وأيضاً مِنْ أخطرِ التَّشوُّهاتِ الدِّينيَّةِ التِي طَرَأتْ على مُجتمَعِنا الإسلَاميِّ في هذَا العَصرِ هوَ العَاداتُ الدَّاخِلةُ في يَومِ عِيدِ المُسلِمينَ يَومِ الجُمعةِ مِنْ كُلِّ أُسبُوعٍ، فَأنجَزَت مَملَكةُ الشَّيطانِ إنجَازَاً دَخلَ تَاريخَ الإنسَانِ مِنْ بَابِه العرِيضِ، وهذَا الإنجَازُ عِبَارةٌ عَنْ "تَقلِيدٍ"، ألا وهوَ طعَامُ "الفُولِ" بِاللَّهجةِ الشَّامِيَّةِ "فُولٌ مُدمَّسٌ" حيثُ يُرافِقُ هذِه الوَجبَةَ عادةً البَصلُ والفِجلُ والثُّومُ، وبَعدَ أنْ يَتنَاولَ العَامةُ هذَا الطَّعامَ الشَّعبِيَّ التَّقلِيديَّ يَمضُونَ إلى بُيوتِ اللهِ لِيَعمُروا المَساجِدَ بِرائِحةِ البَصلِ والثُّومِ والفِجلِ، وحِينَ دَعَا عُلماءُ الدِّينِ الرَّبَّانِيُّونَ عامةَ النَّاسِ لِتَركِ هذَا التَّقلِيدِ الفَاسِدِ، رَفَعَ شَيَاطِينُ الإنسِ عَقِيرَتَهم و اتَّهمُوا الدُّعاةَ بِأنَّهم يُحرِّمونَ مَا أحلَّ اللهُ لِلنَّاسِ مِنَ الطَّيبَاتِ، ويَستَشهِدونَ بِقولِه تعَالى: {… كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ … } البقرة57، و يَدَّعُون أنَّهم مَاضونَ إلى المَساجِدِ مِنْ يومِ الجُمعةِ مُغتَسِلينَ أطهَاراً، وغَابَ عنهم أنَّ المَلَائكةَ المُخلَّقةَ مِمَّا نَطَقُوا بِأقوَالِهم قَد تَخَلَّقَتْ مُشوَّهةً بِكرِيهِ رَائِحةِ أفوَاهِهم، وذَهبَت عنهم الآيةُ الكريمَةُ: {…. فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } المؤمنون14
فَأثبَتَ اللهُ تعَالى لِغيرِه "بِلغةِ العَقلِ والتَّقيِيدِ" أنَّه يُوجدُ مَنْ يَستطِيعُ أنْ يُخلِّقَ أفعَالَه وكَائِناتَه ومَخلوقَاتَه، ولَكنَّه سُبحانَه وتعَالى أحسَنُ الخَالِقينَ،لأنَّه سُبحَانه يُخلِّقُ على طُهرٍ كَاملٍ، وأحسَنُ مَا خَلَّقَ اللهُ تعَالى هيَ كَلماتُه التَّامَّةُ ذَواتُ الأنبِياءِ والرُّسلِ الكُمَّلِ والأولِياءِ التَّابِعينَ لَهم .


