من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 16 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 1، الفصل 2.
7- العلاقة بين الإدراك والوعي والفاعلية
الآن نستطيع أن نضع المفاهيم الثلاثة أمامنا معاً:
الإدراك.
الوعي.
الفاعلية.
ولا أريدك أن تنظر إليها على أنها ثلاثة عناوين منفصلة.
بل على أنها ثلاثة مكونات مترابطة في بناء علم الذكاء الروحي.
الإدراك يفتح أمام الإنسان معنى أو حقيقة أو علاقة.
الوعي يتشكل من حركة الإدراكات وعلاقاتها وتفاعلها في بناء أوسع.
الفاعلية تظهر فيها آثار ما أدركه الإنسان ووعاه في الحياة.
ولتبسيط العلاقة للقارئ ــ لا بوصفها قانوناً رسمياً جديداً، وإنما خريطة تعليمية ــ يمكن أن نتصورها هكذا:
إدراك
↓
حركة وتفاعل بين الإدراكات
↓
تشكّل في الوعي
↓
ظهور في الفاعلية
↓
أثر في الحياة
لكن هذه الخريطة لا ينبغي أن تُفهم دائماً كخط مستقيم بسيط.
فالواقع أكثر تشابكاً.
الفاعلية نفسها تصنع تجارب جديدة.
والتجارب تنتج مدركات جديدة.
والمدركات الجديدة تعيد تشكيل الوعي.
ثم يعود الوعي فيؤثر في الفاعلية.
أي أننا أمام حركة دائرية متشابكة، لا أمام سلسلة ميكانيكية جامدة.
وهنا يبدأ القارئ في فهم لماذا يستخدم هذا العلم مفهوم التشابك الارتقائي.
فالإنسان لا يبني وعيه في لحظة واحدة.
بل تتراكم خبراته وإدراكاته وحركاته ونتائجها.
وبهذا تتكون داخله بنية أكبر من أي معلومة منفردة.
مثال يقرب العلاقة
تخيل إنساناً اعتاد أن يفسر كل نقد يسمعه باعتباره إهانة.
هذا تفسير إدراكي معين للموقف.
ثم تتكرر المواقف.
فيتكون لديه مع الوقت تصور أوسع:
" الناس يريدون الانتقاص مني" .
هذه الصورة تبدأ بالتأثير في وعيه بعلاقاته.
ثم تظهر فاعليته:
يغضب سريعاً.
أو ينسحب.
أو يهاجم.
أو يصبح شديد الدفاع عن نفسه.
ثم تؤدي هذه الفاعلية إلى نتائج جديدة:
توتر في العلاقات.
ردود سلبية من الآخرين.
ثم يأخذ هذه النتائج الجديدة ويقول: "أرأيت؟ كنت محقاً، الناس ضدي" .
فتزداد البنية رسوخاً.
لاحظ الحركة: إدراك أول… ثم تراكم… ثم صورة في الوعي… ثم فاعلية… ثم نتيجة… ثم إدراكات جديدة تغذي البنية السابقة.
الآن تخيل ماذا يحدث إذا استطاع الإنسان أن يتدخل في هذه الحلقة بإدراك أوسع.
ربما يكتشف أن بعض النقد لا يقصد الإهانة.
وأن بعضه مفيد.
وأن بعضه لا قيمة له.
وأن الناس ليسوا حالة واحدة.
هنا يتغير الإدراك.
ومع تغيّر الإدراك تبدأ بنية الوعي في التغير.
ومع تغير الوعي يمكن أن تتغير الفاعلية.
هذه هي المساحة التي تجعل دراسة الإدراك والوعي والفاعلية مهمة للحياة، لا للتأمل النظري فقط.






