من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 23 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 2، الفصل 1.
4- الإدراك والعلاقات
من أكثر المجالات التي يظهر فيها أثر الإدراك: العلاقات الإنسانية.
فأنت لا تتعامل دائماً مع الإنسان كما هو.
بل تتعامل بدرجة كبيرة مع صورتك عنه.
وهذه الصورة تتكون من مدركات.
قال كلمة.
فهمتها بطريقة معينة.
اتخذ موقفاً.
أعطيته تفسيراً.
تأخر في الرد.
بنيت معنى.
اقترب منك.
أعطيت الاقتراب معنى.
ابتعد.
أعطيت الابتعاد معنى.
ثم تبدأ هذه المعاني في التراكم.
حتى لا تعود تتعامل مع كل موقف جديد وحده، بل تدخل إليه ومعك تاريخ كامل من الإدراكات السابقة.
وهنا يمكن أن تنشأ مشكلات ضخمة.
قد يحمل إنسان في داخله صورة: "فلان لا يحترمني" .
ومن هذه اللحظة يبدأ بتفسير أفعال كثيرة على أساس هذه الصورة.
إذا تكلم، قال: يريد التقليل مني.
إذا سكت، قال: يتعمد تجاهلي.
إذا نصح، قال: يتعالى علي.
إذا ابتعد، قال: لا يطيقني.
وهنا لم يعد كل حدث يُقرأ مستقلاً.
بل صار الوعي السابق ينتج طريقة إدراك متكررة.
وهذا يجعل العلاقات مثالاً عظيماً على أهمية تعلم الذكاء الروحي.
لأن الارتقاء في الإدراك يمكن أن يجعل الإنسان يسأل:
هل فهمت قصده حقاً؟
هل أنا أقرأ سلوكه أم أقرأ مخاوفي؟
هل أميز بين الحقيقة وبين تفسيري للحقيقة؟
هل أملك قرينة أم مجرد انطباع؟
هل تغير الإنسان، وأنا ما زلت أتعامل معه بمدركات قديمة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن نتجاهل الأخطاء.
ولا تعني السذاجة.
ولا تعني إسقاط الحذر.
بل بالعكس.
الإدراك الأوسع لا يجعلك أقل قدرة على رؤية الخطأ.
إنما يجعلك أدق في موضعه وحجمه ومعناه.
وهذا من جمال الارتقاء الإدراكي.
أن ترى الخير خيراً دون غلو.
وترى الخطأ خطأ دون زيادة.
وترى الإنسان في مساحة أكبر من موقف واحد.






