من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 31 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 2، الفصل 2.
3- الفرق بين المعلومة والوعي
هذه نقطة تحتاج إلى دقة.
فليس كل ما تعرفه قد صار جزءاً من وعيك بالمستوى نفسه.
يمكن أن تحمل في ذاكرتك آلاف المعلومات التي لا تستحضرها إلا إذا احتجتها.
لكن الوعي أعمق من مجرد التخزين.
في البناء الذي يقدمه علم الذكاء الروحي، يرتبط الوعي بحركة الإدراكات الفعالة فيما بينها، حتى تتشكل منها ذاتية الوعي الروحي. وهذا أصل مهم في تعريف العلم.
إذن نحن لا نتحدث عن مخزن معلومات.
بل عن بناء تتحرك فيه الإدراكات وتتصل وتتفاعل.
ولنقرب الأمر.
قد يقرأ شخص جملة: " لا تحكم على الإنسان من موقف واحد" .
هذه معلومة.
قد تعجبه.
وقد يكتبها في مذكرته.
وقد ينشرها على صفحته.
لكن عندما يقع خلاف مع إنسان قريب منه، يحكم عليه من موقف واحد.
إذن الجملة موجودة في الذاكرة…
لكنها لم تصبح بالضرورة عنصراً حاضراً في بنية إدراكه ساعة الحدث.
أما إذا أصبحت هذه المعرفة جزءاً من وعيه، فقد يتوقف في الموقف ويقول:
لحظة…
هل أنا أحكم على هذا الإنسان كله من هذه الحادثة؟
هنا تحولت المعلومة إلى مدركة حاضرة.
ثم دخلت في طريقة فهمه للموقف.
ثم بدأت تؤثر في القرار.
هذا هو الفرق الذي نريد أن نتذوقه.
المعلومة شيء تعرفه.
أما الوعي فهو أوسع:
هو أن تدخل المعارف والمدركات في بنية رؤيتك وفهمك وحركتك.
وهذه صياغة تفسيرية لتقريب المعنى للقارئ، وليست تعريفاً اصطلاحياً جديداً يحل محل تعريف الوعي في كتب العلم.
وصل كيف نعرف أن المعلومة بدأت تتحول إلى وعي؟
هناك علامة بسيطة:
أن تبدأ برؤية الأشياء من خلالها دون أن تحتاج في كل مرة إلى تذكير خارجي بها.
فالطفل قد يتعلم أن النار تحرق.
في البداية يحتاج إلى تحذير.
لكن بعد رسوخ المدركة، يصبح معنى الخطر حاضراً في تعامله مع النار.
وكذلك كثير من المعارف.
في أول الأمر تقرؤها.
ثم تفهمها.
ثم تتكرر أمامك تطبيقاتها.
ثم تبدأ برؤية الأشياء من خلالها.
وهنا تنتقل المعرفة من الهامش إلى قلب الوعي.
ولهذا فإن الدراسة المنهجية تختلف عن القراءة العابرة.
فالقراءة قد تعطيك عشرات المعلومات بسرعة.
أما التعلم المتدرج فيتيح للمفاهيم أن:
تتكرر.
وتتصل.
وتتفاعل.
وتدخل في شبكة معرفية أكبر.
فتصبح أقرب إلى الحضور في الوعي.






