من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 46 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 3، الفصل 1.
1- رقابة الذات
قد يبدو لك أنك تعرف نفسك جيداً.
فأنت تعيش معها منذ ولدت.
لكن هل طول صحبتك لنفسك يعني بالضرورة أنك تعرفها؟
ليس دائماً.
فنحن نعيش كثيراً من أحوالنا بطريقة تلقائية.
نفرح.
ونغضب.
ونرفض.
ونقبل.
ونقترب.
وننسحب.
ونحكم.
وندافع.
ثم نبرر ما فعلناه.
لكن قلّما نقف أثناء ذلك ونسأل:
ماذا يحدث في داخلي الآن؟
وهنا تبدأ مراقبة الذات.
ومراقبة الذات في طريقنا ليست انشغالاً مرضياً بالنفس، ولا دوراناً حول الأنا، ولا جلداً مستمراً للذات.
بل هي أن تصبح النفس محلاً للملاحظة والتهذيب والمراجعة.
وفي «تعلّم معي علم الذكاء الروحي» نجد معنى واضحاً في هذا الاتجاه؛ فالذكي روحياً لا يترك النفس الأمارة تتحرك من غير مراقبة، وإنما «يراقبها بالوعي ويهذبها ويشتغل عليها».
وهذا معنى عميق.
فأنت لا تراقب نفسك لكي تعجب بها.
بل لكي تعرف أين تحتاج إلى تهذيب.
ولا تراقبها لكي تحتقرها.
بل لكي تمنعها من أن تقودك دون وعي.
ولا تراقبها لكي تتوقف عن الحياة.
بل لكي تصبح أكثر حضوراً وأنت تعيش.
من " أنا هكذا " إلى "ماذا يحدث فيَّ؟"
هناك جملة خطرة جداً يقولها الناس كثيراً: " أنا هكذا ".
أنا عصبي.
أنا لا أثق بأحد.
أنا أتردد دائماً.
أنا لا أستطيع المسامحة.
أنا سريع الحكم.
أنا حساس.
أنا لا أقبل النقد.
هذه الجمل تحوّل حالة أو عادة أو نمطاً إلى هوية مغلقة.
وكأن الإنسان يقول: انتهى الأمر. هذا أنا.
لكن المراقبة تفتح باباً مختلفاً.
بدلاً من: "أنا سريع الغضب".
تقول: متى يظهر غضبي؟
و: ما الذي يسبقه؟
و:كيف أفهم الموقف قبل أن أغضب؟
وبدلاً من: "أنا لا أثق بأحد".
تسأل: ما الذي يجعلني أفسر القرب على أنه خطر؟
وبدلاً من: "أنا متردد".
تسأل: في أي القرارات أتردد؟
وماذا أخشى أن أخسر؟
وهكذا تتحول الذات من حكم مغلق… إلى موضوع معرفة.
وهذا وحده انتقال كبير.
وصل مراقبة الذات باب إلى تهذيبها
في علومنا الإسلامية عرفنا المحاسبة والمراقبة والمجاهدة والتهذيب.
فالإنسان لا يترك نفسه سائبة ثم ينتظر أن ترتقي وحدها.
وإنما يتعلم :
أن يعرف حركتها.
أن يلاحظ الميل.
والدافع.
والنية.
والانفعال.
والتكرار.
ومن هنا فإن علم الذكاء الروحي لا ينشئ قطيعة مع هذا التراث، بل يعمل داخل عالم علوم الروح الذي تلقيناه في الإسلام.
غير أن زاوية هذا العلم تركز بصورة خاصة على:
الإدراك
والوعي
والفاعلية.
فنسأل:
كيف تدرك النفس؟
كيف تدخل مدركاتها في الوعي؟
وكيف تظهر بعد ذلك في الفاعلية؟
وهكذا تصبح مراقبة الذات أكثر دقة.






