من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 47 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 3، الفصل 1.
2- مراقبة الإدراك
هذه هي الخطوة التي تميز الرحلة بصورة أوضح.
ليس المطلوب فقط أن تراقب:ماذا تفعل؟
بل أن تبدأ بمراقبة: كيف تدرك؟
تخيل موقفاً بسيطاً.
أرسل لك شخص رسالة قصيرة " : أريد أن أتحدث مع".
قرأتها.
وفجأة شعرت بالقلق.
لماذا؟
الرسالة لم تقل إن هناك مشكلة.
لكن شيئاً حدث في الإدراك.
ربما أدركت العبارة على أنها مقدمة لخبر سيئ.
بدأ العقل بعدها يعمل.
ماذا يريد؟
هل أخطأت؟
هل سمع شيئاً؟
هل حدث شيء؟
ثم ظهر الانفعال.
ثم بدأت الاستجابات.
كل هذا قد يحدث في ثوانٍ.
طالب الذكاء الروحي يبدأ بملاحظة شيء لم يكن يلاحظه سابقاً: المدركة الأولى.
يسأل: ماذا فهمت فوراً من العبارة؟
ولماذا؟
هل كانت العبارة نفسها تحمل هذا المعنى؟
أم أن خبرة سابقة دخلت في قراءتي؟
هل خوفي هو الذي أكمل المعنى؟
هل لدي قرائن؟
هنا بدأ يرى الإدراك وهو يعمل.
وصل لا تكتفِ بأن ترى… راقب كيف رأيت
هذه قاعدة مهمة في هذا الفصل.
هناك فرق بين: أن ترى الموقف
وبين: أن ترى طريقة رؤيتك للموقف.
الأولى يعيشها كل إنسان.
أما الثانية فتحتاج إلى وعي.
ربما ترى شخصاً ساكتاً فتقول: إنه غاضب مني.
لكن مراقبة الإدراك تجعلك تقول: لحظة… أنا فسرت صمته على أنه غضب.. لم يقل هو ذلك.
ربما كان متعباً.
أو منشغلاً.
أو حزيناً.
أو يفكر.
هنا لم نلغِ احتمال الغضب.
لكننا فصلنا بين: الواقع الذي ظهر… و: المعنى الذي أضفته إليه.
وهذا فصل بالغ الأهمية.
فالإنسان كثيراً ما يعيش التفسير وكأنه حقيقة.
ومراقبة الإدراك تساعده على أن يعرف:
ما الذي رآه؟
وما الذي أضافه؟
وصل مراقبة الإدراك لا تعني الشك في كل شيء
نحن لا نريد إنساناً يشك في كل مدركة حتى يصبح عاجزاً عن الحركة.
ولا نريد أن يقول:
ربما كل ما أراه خطأ.
فهذا ليس ارتقاءً.
المطلوب أرقى من ذلك:
أن تعرف أن المدركة يمكن أن تكون صحيحة، لكنها تحتاج أحياناً إلى تثبت أو توسع أو استكمال.
فإذا كانت القرائن واضحة، مضيت.
وإذا كانت الصورة ناقصة، تمهلت.
وإذا كان الانفعال قوياً، عرفت أنه قد يؤثر في طريقة القراءة.
وهكذا تصبح مراقبة الإدراك أداة لزيادة الدقة، لا أداة لإنتاج الحيرة.






