من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 62 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 3، الفصل 3.
1- الارتقاء ليس جمع المعلومات
لنبدأ بإزالة وهم مهم.
يمكن للإنسان أن يعرف أكثر…
دون أن يرتقي بالقدر نفسه.
وقد يقرأ كثيراً…
لكن قراءته لا تغير طريقته في الحكم.
وقد يحفظ عشرات التعريفات…
لكنه عند أول اختلاف يعود إلى الأسلوب القديم نفسه.
وقد يحضر مجالس العلم…
لكن سلوكه في بيته لم يتغير.
وهنا ينبغي أن نقول بوضوح:
الزيادة في المعلومات ليست هي الارتقاء نفسه.
المعلومة قد تكون مادة للارتقاء.
وقد تكون سبباً فيه.
وقد تفتح باباً عظيماً.
لكن وجود المعلومة وحدها لا يكفي.
فقد علمنا في الأبواب السابقة أن المعرفة تحتاج إلى أن تدخل في الإدراك، ثم تتحرك في الوعي، ثم يظهر أثرها في الفاعلية.
وهنا يظهر الفرق بين:
التراكم المعلوماتي
و: الارتقاء الإدراكي.
مكتبة كبيرة… ووعي صغير
قد يدخل الإنسان مكتبة ضخمة ويحفظ أسماء الكتب وأصحابها.
لكن ماذا لو لم تغير هذه الكتب شيئاً في طريقته في رؤية الحقائق؟
لقد ازدادت معلوماته.
لكن السؤال: هل اتسع وعيه؟
وقد يتعلم الإنسان مئة قاعدة عن الحوار.
ثم إذا خالفه شخص غضب وشتم وانسحب.
ازدادت المعلومات.
لكن هل ارتقت الفاعلية؟
وقد يقرأ عن الرحمة والعدل والإنصاف.
ثم إذا تعلق الأمر بمصلحته ضاق كل هذا العالم إلى معنى واحد:
أنا.
فهل هذا هو الارتقاء؟
ليس بالضرورة.
ولهذا فإن طالب علم الذكاء الروحي لا يقيس نفسه بعدد ما جمع.
بل يسأل: ماذا صنعت هذه المعرفة فيَّ؟
المعرفة وقود… وليست الرحلة
تصور أنك ملأت سيارة بالوقود.
هل يعني ذلك أنك قطعت الطريق؟
لا.
لقد امتلكت وسيلة تساعدك على السير.
لكن لا يزال عليك:
أن تعرف الاتجاه.
وأن تتحرك.
وأن تراقب الطريق.
وأن تصحح المسار.
وكذلك العلم.
المعلومات وقود.
لكن الارتقاء حركة.
ولهذا يمكن أن نضع أمام أنفسنا قاعدة تعليمية:
لا تسأل فقط: ماذا تعلمت؟
بل أضف:
ماذا أصبحت أدرك؟
وماذا أصبحت أفهم؟
وكيف تغير حكمي؟
وكيف تغيرت استجابتي؟
وماذا أصبحت أستطيع أن أفعل؟
إذا بدأت الإجابات تتغير… فقد بدأنا نرى آثار الارتقاء.
ليست كل زيادة نمواً صحيحاً
وهذه نقطة أدق.
فالإنسان قد يزيد في المعرفة…
لكن الزيادة نفسها قد لا تكون مرتبة.
قد يجمع معلومات متعارضة لا يعرف مواضعها.
أو يتنقل بين مصادر كثيرة دون أصول.
أو يأخذ من كل علم طرفاً ثم يخلطها.
لهذا كان التعلم المنهجي مهماً.
فالمصادر نفسها تتحدث عن الترتيب الإدراكي وعن سبق مدركات لمدركات، بما يشير إلى أن التراكم ليس بلا نظام.
إذن الارتقاء ليس: المزيد فقط.
بل: المزيد في موضعه الصحيح.






