من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 65 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 3، الفصل 3.
4- الارتقاء في الحكم على الأمور
وهنا نصل إلى واحد من أهم مظاهر الارتقاء.
فالإنسان يعيش بالأحكام.
يحكم:
هذا صحيح.
هذا خطأ.
هذا نافع.
هذا ضار.
هذا الشخص يصلح.
هذا لا يصلح.
هذه فرصة.
هذه فتنة.
هذا وقت التقدم.
هذا وقت التوقف.
ولا يمكن إلغاء الحكم.
لكن السؤال: ما جودة حكمك؟
في «تعلّم معي علم الذكاء الروحي» يرتبط الارتقاء في المستويات بحاكمية في الوعي والإدراك والحكم على الأمور بصورة متكاملة واضحة بحسب بناء العلم.
وهذا يضع الحكم في موضع مهم.
فالارتقاء لا يظهر فقط فيما تعرفه.
بل في:
كيف تحكم بما عرفت.
الحكم ابن الإدراك
إذا كان إدراكك ناقصاً…
قد يكون حكمك ناقصاً.
وإذا كان إدراكك مشوشاً بالانفعال…
قد ينعكس ذلك على الحكم.
وإذا كنت ترى جزءاً واحداً…
قد تجعل الجزء هو الكل.
ولهذا فإن الارتقاء في الحكم يمر غالباً بارتقاء سابق في الإدراك والفهم.
يمكن أن نقربها تعليمياً هكذا:
إدراك أوسع
↓
فهم أدق
↓
حكم أنضج
وهذه ليست صيغة قانونية جديدة، وإنما خريطة تقريبية.
من الحكم السريع إلى الحكم الموزون
الإنسان في بدايات وعيه قد يستخدم كلمات كلية كثيراً:
دائماً.
أبداً.
كل الناس.
لا أحد.
كل شيء فاشل.
كل شيء ممتاز.
لكن مع الارتقاء يبدأ بالتفريق.
يقول:
هذا الجزء صحيح، وهذا يحتاج إلى مراجعة.
هذا الإنسان أخطأ هنا، لكنه ليس مختزلاً في خطئه.
هذا المشروع فشل في هذه المرحلة، لا أن كل الفكرة باطلة.
هذا الرأي فيه جانب قوي وجانب ضعيف.
وهذه القدرة على التفصيل علامة مهمة.
لأن الوعي الضيق يميل أحياناً إلى الثنائية الحادة:
كل شيء أو لا شيء.
أما الإدراك الأوسع فيرى الدرجات والفروق.
الحكم ليس شعوراً
أحياناً يقول الإنسان: أنا أشعر أن هذا خطأ.
قد يكون شعوره مهماً.
لكنه ليس بالضرورة حكماً مكتملاً.
الحكم يحتاج إلى:
إدراك.
ومعطيات.
وفهم.
وترجيح.
ولهذا فإن الارتقاء يعلمك ألا تجعل كل انفعال دليلاً.
ولا كل حدس حكماً.
ولا كل رغبة حقيقة.
بل تعرف لكل شيء موضعه.
أخطر الارتقاءات: أن ترتقي في حكمك على نفسك
كما تحكم على الناس، تحكم على نفسك.
وقد يكون الحكم على الذات من أشد الأحكام تأثيراً.
أنا لا أستطيع.
أنا فاشل.
أنا ضعيف.
أنا أفضل من الجميع.
أنا لا أخطئ.
كلا الاتجاهين يمكن أن يكون خطراً.
احتقار النفس.
أو تضخيمها.
أما الارتقاء في الحكم على الذات فيعني:
أن ترى قوتك دون غرور.
وضعفك دون يأس.
وخطأك دون انهيار.
ونجاحك دون عبادة للنفس.
وهذه مساحة عظيمة من التهذيب.






