في بيان معرفة المتجلي وتعريف علمه وطي الأنوار
من كتاب «علم الاسم المتجلي الأعلى في القرآن الكريم» — البروفيسور هانيبال يوسف حرب.
البَابُ الثَّانِي
في بَيَانِ مَعرِفَـةِ المُتَجَلِّي
تَجَلَّى ( لغةً ) أيْ ظَهَرَ وبَانَ ، وتَجَلَّى الشَّيءُ أيْ ظَهَرَ وبَانَ.
بسم الله الرحمن الرحيم ) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ( الأعراف 187
هَذا يَعنِي لَا تَظهَرُ في وَقتِهَا في زَمَانِها إلَّا بِإذنِهِ سُبحَانَـه وتَعَالى.
الاسمُ المُتَجَلِّي هُوَ الاسمُ الذِي يَظهَرُ، ولَكِنْ في هَذَا العِلْمِ " عِلْمِ الاسمِ المُتَجَلِّي " نَقصِدُ حَصرَاً الاسمَ الذِي يَتَجَلَّى على المَخلُوقِ، بِعبَارَةٍ أُخرَى نَقصِدُ حَصرَاً العُلومَ والقَواعِـدَ والمَعلُومَـاتِ الخَاصَّةَ بِالاسمِ الإلَهيِّ الذِي يَظهرُ عَلى العَبدِ.
المَبحَثُ الأوَّلُ مِنَ البَابِ الثَّانِي
تَعرِيفُ عِلْمِ الاسمِ المُتَجَلِّي
نَستَطِيعُ أنْ نُعرِّفَ عِلْمَ الاسمِ المُتَجَلِّي بمَا يَلي :
عِلْمُ الاسمِ المُتَجَلِّي : هُوَ قَـوَاعِـدُ ومَعلُومَـاتٌ يُعرَفُ بِهَا الاسمُ الإلهيُّ الخَـاصُّ المُتَجَلِّي على المَخـلُوقِ .
وإليكُم بَسْطُ التَّعرِيفِ :
الاسمُ الإلهيُّ : لأنَّ كُـلَّ مَخلُوقٍ لَـهُ اسمٌ الهيٌّ انبَثَقَ مِنـهُ .
والخَاصُّ : لأنَّ كُلَّ مَخلُوقٍ لَهُ اسمٌ خاصٌّ لَا يُشَارِكهُ بِهِ أحَدٌ وهُوَ اسمٌ مِنْ أسماءِ اللهِ يُمِدُّ هَذَا المَخلُوقَ والمُتَجَلِّي : لأنَّ هذَا الاسمَ الإلهيَّ إنَّمَا يَظهَرُ لِذَاتِ هَذَا المَخلُوقِ فَنَرى جُملَةَ المَخلُوقِ إنَّمَا هُوَ مَجمُوعَـةُ صُورٍ وتَجَلِّياتٍ وأَبعَـادٍ انبَثَقَتْ مِنْ نُورَانيَّـةِ الاسمِ المُشرِفِ عَلَيهِ .
الاسمُ الإلهيُّ هُوَ اسمٌ اتَّصَفَتْ بِهِ الذَّاتُ الإلهيَّةُ فَهُوَ اسمٌ لِلوَصفِ الإلهيِّ أيْ أنَّهُ لَدَينَا ذَاتٌ إلهيَّةٌ مَوصُوفَـةٌ بِصفَاتٍ وكُلُّ صِفةٍ مِنْ هَذهِ الصِّفَاتِ لَهَا اسمٌ هُوَ الاسمُ الإلهيُّ .
مِثالٌ : صِفةُ الشِّفَاء نقولُ عنهُ اسمُ اللهِ الشَّافِي و صِفةُ الصَّبرِ نَقولُ عنهُ اسمُ اللهِ الصَّبورِ وصِفةُ الشُّكرِ تُظهِرُ لَنَا تَجَليَاتُ الشُّكورِ ، عِندمَا يُريدُ اسمُ اللهِ الصَّبورِ أنْ يَتَجلَّى يَخرُجُ لَنا الصَّبرُ فَالصَّبرُ مِنَ الصَّبورِ والشُّكرُ مِنَ الشَّكورِ والكَرَمُ مِنَ الكَرِيمِ … الصَّبرُ والشُّكرُ والكَرَمُ وبَقيَّةُ المَوجُودَاتِ كُلُّ مَوجُودٍ مِنْ هَذهِ المَوجُودَاتِ إنَّمَا لَهُ اسمٌ خاصٌّ تَصدُرُ عَنهُ هُوَ الاسمُ المُتَجَلِّي على هَـذَا المَخلُوقِ .
المَبحَثُ الثَّانِي مِنَ البَابِ الثَّانِي
الأسمَاءُ الحُسنَى هِيَ صُورَةُ الجَمعِ
رُبَّمَا يَتَوارَدُ إلى أذهَانِنَـا تَسَاؤُلٌ بأنَّ عَدَدَ الأسماءِ الإلهيَّةِ بِشكلٍ عَامٍ أقَلُّ مِنْ عَددِ المَخلُوقَاتِ فَكيفَ لِكُلِّ مَخلُوقٍ اسمٌ خـاصٌّ ؟
والإِجابَةُ هِيَ كالتَّالِي : في القُرآنِ الكَرِيمِ عَددُ الأسماءِ الإلهيَّةِ المَوجُودَةِ فيهِ /117/ اسماً، مِنهَا أسماءٌ حُسنَى عَددُها بِالوضعِ الإلهيِّ /99/ تِسعٌ وتِسعُونَ اسماً ،لأنَّ الأسماءَ الإلهيَّةَ ليسَتْ فَقط الأسمَاءُ الحُسنَى فَهنَاكَ أسماءٌ حُسنَى وعُظمَى ، وهُنَاك اسمٌ أعظمُ والاسمُ المُفرَدُ ، وهُناكَ الأسماءُ القرآنيَّةُ ، أسماءُ الذاتِ ، أسماءُ الصِّفاتِ ، أسماءُ الاشتِرَاكِ ، أسماءُ المُلْكِ ، أسماءُ التَّنزِيهِ ، أسماءُ النُّعوتِ
فَبَحرُ الأسماءِ الإلهيَّةِ عِبارةٌ عَنْ بَحرٍ هَائِلٍ نَعرِفُ منهُ السَّاحِلَ، ولَمْ يَستَطِعْ أحدٌ حتَّى الآنَ، ولَن يَستطيعَ أنْ يَصِلَ إلى أُفُقِـهِ كَبَحرٍ فَكُلما خُضْنَـا وأبْحَرنَـا في بَحرِ الأسماءِ الإلهيَّـةِ نَجِدُ المَزِيدَ .
أَستَطيعُ أنْ أضرِبَ مِثالَاً : أحرُفُ اللغَةِ العَربيَّةِ على اجتِمَاعِها كُلِّها /28/ حرفاً، ويَخرجُ مِنها مِنَ الألفاظِ والجُمَلِ والتَّعبيرَاتِ تَنوُّعٌ وخُصُوبةٌ لَانِهايَةَ لَها فَكَيف بِـ /99/ تِسعٍ وتِسعِينَ اسماً من الأسماءُ الحُسنَى، ولَكنْ لَيسَتْ هِيَ كُلُّ التَّفَاصيلِ بَل هِيَ صُورةُ الجَمعِ لِجَميعِ أسمَاءِ الكَونِ التِي نَعرِفُها، والتِي لَا نَعرِفُها التِي عَلَّمَها سُبحَانه وتَعَالى لِلعِبَاد والتِي لَمْ يُعَلِّمْها، والتي استَأثَرَ بِهَا في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَه قَد يُعلِّمُها لِأحدٍ في الوجُودِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَـدِ، وقد لَا يُعَلِّمُهـا لِأحـدٍ.
كما جَـاءَ في الحَديثِ الشَّريفِ ( أسأَلُكَ بِكُلِّ اسمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَو عَلَّمْتَهُ أحَدَاً مِنْ خَلْقِكَ أو اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ ….. )
كَلمَةُ استَأثرتَ بِهِ يَعني أنَّ هُناكَ أسماءً إلهيَّةً نَحنُ لَا نَعرِفُهَا، ولا نَستَطيعُ التَّعرُّفَ عَليها لأنَّها مِمَّا استَأثَرَ اللهُ بِهِ " أسماءٌ خاصَّةٌ " ولَكِنَّ الأسماءَ الحُسنَى بِالذَّاتِ مِنْ خُصُوصِيتِهَا أنَّهَا جَامِعَـةٌ لِكُلِّ الأسماءِ كُلِّ الأسماءِ على الإطلَاقِ، كَمِ اسمٍ يُوجَدُ في الكَونِ مِليَارُ مليارُ مليارُ اسمٍ هَذه الطَّاقاتُ الكَونيَّـةُ إنَّما هِيَ مُدرَجَةٌ فِي الأسماءِ الحُسنَى، وإدرَاجُ هَذهِ الطَّاقاتِ فِي الأسماءِ الحُسنَى يُقَـالُ لَهُ : عِـلْمُ طَـيِّ الأنـوَارِ …
كَما أنَّه حَبيبِي عَزَّ وجَلَّ طَوَى عُـلُومَ الكَونِ كَمَا جـاءَ في الحَديثِ الصَّحِيحِ :
( أنَّ اللهَ طَوَى عُلُومَ الكَونِ كُلَّهَا في الكُتبِ السَّمَاويَّةِ الأربَعَةِ المُنَزَّلَةِ، وَطَوَى عُلُومَ الكُتبِ الأربَعَةِ في القُرآنِ الكَرِيمِ، وجَمَعَ عُلُومَ القُرآنِ الكَريمِ في المُفَصَّلِ " مِنْ سُورَةِ قَ إلى آخِرِ القُرآنِ "، وجَمَعَ عُلُومَ المُفَصَّلِ في الفَاتِحَـةِ ….. )
فَسُورَةُ الفَاتِحَـةِ هِيَ كَالأسماءِ الحُسنَى /99/التِّسعَةِ والتسعِينَ اسماً، فَعِندَما تَقرَأُ الفَاتحَـةَ تَكونُ قَد قًرأْتَ عُلُومَ الكَونِ كُلَّهَا جُملَةً وَاحِدةً في /7/ سَبعِ آياتٍ ، وكَذَلك عندَما تَقرأُ الأسماءَ الحُسنَى فَكَأنَّمَا قَرأتَ عُلُومَ الكَونِ كُلَّها .
فَالأسماءُ الحُسنَى وإنْ كَانَت مَحدُودةً في العدد /99/التِّسعِ والتسعِينَ اسماً فَقَط إلَّا أنَّها مُطلَقَـةُ التَّجَلِيـاتِ، هَذا الأمرُ يَجِبُ ألَّا نَغُضَّ البَصَرَ عَنه لأنَّهُ مَحَطُ فَهْمٍ وارتِقَـاءٍ ونُورَانِيـَّةٍ، فَالأسمـاءُ الحُسنَى مَعدُودةٌ لَكِنَّها غَيرُ مَحدُودَةٍ، مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ هُناكَ تَجَلياتٌ مِنْ هَذه الأسمـاءِ لا تَنتَهِي.
عِندمَا نَقولُ الاسمَ المُتَجَلِّيَ فَلَيسَ مِنَ الضَّرورَةِ أنْ يَكونَ مِنَ الأسماءِ الحُسنَى، فَهُناك أسماءٌ لَم يُعلِّمْها لِأحدٍ، وهنَاك أسماءٌ لا يَعلَمُها إلَّا القَليلُ على سَطْحِ الأرضِ، مَثَلاً في السُّنَّةِ الشَّريفَةِ وَرَدَ اسمُ الطَّبيبِ، مَنْ يَعرِفُ أنَّ اسمَ اللهِ " الطبيبِ " لَيسَ مِنَ الأسماءِ الحُسنَى، قَالُوا لِسَيدِنَا أبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ عندَما مَرِضَ: أَنَأتِي لَكَ بِالطبِيبِ، فَقَالَ: الطبيبُ أَمْرَضَنِي، نَبَّهَهُم أنَّ الطَّبيبَ هُوَ اللهُ سُبحَانَه وتَعَالى، فَقَالَ: هُوَ مَنْ أَذِنَ لِيْ بِهذَا المَرضِ فَلَا أُنَازِعُهُ. حَبيبِي هَذَا مَا يُريدُه،
وَأنَا أخضَعُ لِمَا يُريدُ الحَبيبُ، فَهوَ الطَّبِيبُ، وإذا لَمْ يُطَبِّبَني فَمَنْ سَيَفعَلُ ؟. لو لَمْ يَقُلْ أبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ هذَا الكَلَامَ فَمِنْ أينَ سَنَعلَمُ أنَّ اسمَ اللهِ الطَّبِيبَ ، اسمٌ خاصٌّ عَلَّمَهُ لِسيدِنَا أبِي بَكرٍ، ونَحنُ بِحَسَنَة هَذا الإنسَانِ، بِبَركَة شَيبَةِ أبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلِمْنَا أنَّ اسماً مِنْ أسمَائِه الطَّبِيبَ.
أبدَلَ الطَّاءَ بالحَاءِ فَصَارَتْ الحَبيبَ فاسمُ اللهِ " الحَبيبُ " لَيسَ مِنَ الأسماءِ الحُسنَى، ولَكِنَّه مُدْرَجٌ ضِمنَ اسمِ اللهِ الـوَدُودِ، وَهُوَ مِنَ الأسماءِ الحُسنَى، فعِندَما نَقُـولُ الوَدُودَ فَقُلتَ فَقَد قُلنَا حَصرَاً ضِمنَـهُ الحَبِيبَ.
المَبحَثُ الثَّالِثُ مِنَ البَابِ الثَّانِي
عِلْمُ طَـيِّ الأنْـوَارِ
الكَونُ كُلُّه مَطْوِيٌّ في /99/ التِّسعَةِ والتِّسعِينَ اسماً مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنَى، والأسماءُ الحُسنَى مَطوِيَّةٌ ضِمْنَ الأسماءِ المَعنَوِيَّة السَّبعَةِ، والأسماءُ المَعنَوِيَّةُ السَّبعَةُ مَطوِيَّةٌ فِي اسمِ اللهِ الرَّحمَنِ، واسمُ اللهِ الرَّحمَنِ بِكُلِّ مَا جَمَعَ مِنَ الخَيرَاتِ الظَّاهِرَةِ والبَاطِنةِ فِي شِدَّة القُربِ مَطوِيٌّ فِي ذَاتِيَّة الاسمِ الذَّاتيِّ " الله " فَهُو يُدَلِّلُ على كُلِّ الأسماءِ والصِّفاتِ التِي اتصَفَتْ بِهَا الذَّاتُ، ولَفظُ الجَـلَالَـة " اللهُ " بِحُروفِـه وعُلُومِـهِ وذَاتِيَّتـِه إنَّمَا اندَرَجَ فِي الاسمِ الأعـظَمِ.
فَهنَاك طَيٌّ لِهَذهِ الأنوَارِ … عِندَما نَفْهَمُ أنَّ هذِه الأسماءَ مَطوِيَّةٌ ضِمنَ بَعضِها البَعضِ، ونَفهَمُ أنَّ الصَّبرَ مِنَ الصَّبُورِ والشُّكرَ مِنَ الشَّكُورِ، يَلفِتُ نَظَرَنا هذَا الكَلَامُ إلى حَقيقَةٍ أنَّ لِكُلِّ كَائِنٍ مَصدَرُ مُسْتَنَدٍ فِي الإلَهيَّاتِ يَستَنِدُ إلِيهِ فِي حَقَائِقه، هذَا المُستَنَدُ هُوَ اسمُهُ المُتَجَلِّي عَليه الظَّاهِرُ مِنْ خِلَالِهِ، ولِكُلِّ عَبدٍ اسمُهُ الخَاصُّ، فَمَثَلاً قَد يَكُونُ عَبدٌ مِنَ العَبِيدِ اسمُهُ المُتَجَلِّي عَليه مِنَ الأسماءِ الحُسنَى اسمُ اللهِ الشَّكُورِ، عَبدٌ آخَرُ مُتَجَلِّي عَليهِ اسمُ اللهِ الخَلِيفَةِ كَمَا قالَ فِي الحَديثِ الشَّريفِ: ( أنتَ الخَليفَةُ فِي الأهلِ )، ويُمكِنُ أنْ يَكُونَ الاسمُ المُتجلِّي والذِي يَأخُذ تَجَليَاتٍ مِنهُ هُوَ اسمُ اللهِ الصَّاحِبِ، أَلَمْ يَقُلْ: ( أنتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ ) فَمِنَ المُمْكِن أنْ يَكُونَ هُوَ الاسمُ المُتجلِّي الذِي أوجَـدَنِي، وقَد لَا يَكُونُ.


