قواعد الاسم المتجلي
من كتاب «علم الاسم المتجلي الأعلى في القرآن الكريم» — البروفيسور هانيبال يوسف حرب.
المَبحَثُ الرَّابِعُ مِنَ البَابِ الثَّانِي
قَوَاعِـدُ الاسمِ المُتَجَلِّي
المَطلَبُ الأوَّلُ مِنَ المَبحَثِ الرَّابِعِ
قَوَاعِـدُ الاسمِ المُتَجَلِّي
القَاعِدَةُ (1) مِنْ جِهةِ المَخلُوقِ : لِكُلِّ كَائِنٍ اسمٌ خَاصٌّ يَتَجَلَّى عَليه هُو مُمِدُّه.
القَاعِدةُ (2) مِنْ جِهةِ الخَـالِقِ : يَتَجلَّى الرَّبُّ بالاسمِ الإلَهيِّ عَلى العَبدِ.
أيْ يُمكِنُ لِلاسمِ الإلَهيِّ الوَاحِد أنْ يَتجَلَّى عَلى أكثَر مِنْ حَضرَةٍ، فيُعطِيَ أكثرَ مِنْ مَخلُوقٍ، فَقَد يَتجلَّى اسمُ اللهِ الشَّافِي على 100مِئَةِ شَخصٍ على سَطحِ الأرضِ.
القَاعِدةُ (3) الوَجْهُ الخَاصُّ : مَهمَا تَجلَّى الاسمُ الإلهيُّ الوَاحِد على عِدَّة كَائِناتٍ إلَّا أنَّ كُلَّ كَائنٍ مَخلُوقٌ لَا يَأخُذُ مِنْ هَذا الاسمِ الإلهيِّ إلَّا جَانبَاً خَـاصَّاً لَا يُشارِكُــه فِيه أحَـدٌ، ويُسمَّى الوَجـهُ الخَـاصُّ عِندَ أهـلِ اللهِ.
نحنُ نَرَاهُ اسمَاً وَاحِداً، ولَكِنْ عِندَما يَتجلَّى على 100مِئَةِ مَخلُوقٍ يَتجَلَّى بِـ100مِئَةِ خُصُوصِيَّةٍ ومَزِيَّـةٍ لَا تُشارِك بَعضَها البَعضِ، هَذا مِنْ عَظَمَةِ الدَّفْقِ النُّورِيِّ المُنبَثِقِ مِنَ الذَّاتِ فِي حَضرَةِ الصِّفاتِ، وإشرَافِها على أنوَارِ الاسمِ.
المَطلَبُ الثَّانِي مِنْ المَبحَثِ الرَّابِعِ
اِعْــرِفْ نَفْسَكَ
عِلمُ الاسمِ المُتجلِّي عِلمٌ جَميْلٌ يُفْهِمُنا أسرَاراً خَصبَةً فِي تَوَجُّه العَبدِ نَحوَ الرَّبِّ، لأنَّه عِندَما يَعرِفُ العَبدُ أنَّ لَه اسماً خَاصَّاً هُوَ مَنْشَؤُهُ ومَصدَرُ أنوَارِهِ الذَّاتِيَّة مِنَ الحَضرَةِ الذَّاتِيَّة عِندَها يَعرِف سِكَّة الوُصُولِ، ولَمْ يَعُدْ عِندَه هَذا الضَّيَاعُ والتَّشَتَّتُ في تَوَجُههِ نَحوَ الحَقِّ، يَعرِفُ أنَّ اللهَ سُبحَانه وتَعَالى يَتَوَجَّه عليه مِنْ هَذه الحَضرَة مِنْ هَذا الوَصفِ مِنْ هَذا الاسمِ، وبِالتَّالي يَستَطيعُ أنْ يَعرِفَ نفسَهُ أكثَـر.
لِذَلك جاءَ في الحَديثِ الحَسَنِ أنَّ أُمَّنَا عَائشةَ سَألتْ ) أيَعرِفُ المَرءُ رَبَّهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: نَعم يَا عَائشةَ إذا عَرَفَ نَفْسَهُ ( إذا عَرفَ المرءُ رَبَّهُ فَبِالتَّأكيدِ سَيعرِفُ نَفسَه، ولَكِنَّ الطَّريقَ الأقصَرَ والأكثرَ سُهُولةً بِالنِّسبةِ لَنَا كَمَخلُوقَاتٍ أنْ نَعرِفَ أنفُسنَا فَنَعرِفَ المُتجلِّيَ علينا.
مَثلاً: عندَما أرَى شَخصاً مِنَ الأشخاصِ يُدرِكُ أشيَاءَ مِنَ القُرآنِ لَا يُدرِكها غَيرُه، عندَه الإدرَاكُ والحَضرَةُ الفَعَّالة عَاليةٌ جِداً؛ أيْ أنَّ اللهَ يُمـِدُّه بِالإدرَاكِ والفَعَاليةِ، وهُوَ الدَّرَّاكُ الفَعَّـالُ، وهُوَ تَعرِيفٌ لاسمِ اللهِ الحَيِّ، فَنَعـرِفُ أنَّ المُتجلِّيَ عَلى هذَا العَبـدِ اسمُ اللهِ الحـَيِّ لأنَّه الدَّرَّاكُ الفَعَّالُ.
وعِندما نَرَى شخصَاً يَتَحدَّثُ بِالعُلومِ بالإضافةِ إلى تَجلياتِ العُلومِ التي ظَهَرت عَليه نَعرِفُ أنَّ المُتجلِّيَ عَليه اسمُ اللهِ العليمِ لأنَّه يَأتِي بِعُلومٍ لَمْ يَأتِ بِها
أحَدٌ غَيرَه، هَذا سَبيلٌ لِمَعرفَة النَّفسِ مِنْ خِلالِ مَعرفةِ الاسمِ المُتجلِّي عَليكَ مِنَ الحَضرةِ الإلَهيَّةِ.
بِهذَا الأُسلُوبِ يَفْهَمُ الأشخَاصُ ذَوَاتَهم، فعِندَما أعرِفُ بالضَّبط الاسمَ المُتجلِّيَ عَلَيَّ أكُونُ في أقرَب طَريقٍ إلى اللهِ أكونُ قَد اخْتَصرتُ المَسافَة الكَونيَّةَ بَينِي وبَينَه، أيْ رَفعتُ الحُجُبَ عَنْ نَفْسِي، وتَقَرَّبتُ إلى حَضرةِ قَـابِ قَوسَينِ أو أدنَى.
المَطلَبُ الثَّالِثُ مِنَ المَبحَثِ الرَّابِعِ
ثَمَرَاتُ مَعْرِفَةِ الاسمِ المُتجلِّي
في تِلكَ اللَّحظَة تَكونُ مِنْ ثَمَرَاتِ مَعرِفتِي لِلاسمِ المُتجلِّي عَلَيَّ ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) النَّجم(17) في مُنتَهى التَّعَرُّفِ وشِدَّةِ القُـربِ في حَقيقةِ المُطَالَعَـة أُصبحُ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
بسم الله الرحمن الرحيم ( رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) آل عمران(53)
وَصلَ إلى حَقيقةِ القِيـامِ بِالعِلْمِ وبِالقِسْطِ، وصَارَ مِمَّنْ شَهِدَ مَعَ مَنْ شَهِدَ حَيثُ قَـالَ حَبيبِي عَزَّ وجَلَّ:
بسم الله الرحمن الرحيم ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) آل عمران (18)
صَارَ في حَضرَة الشُّهُودِ، عَايَنَ الشَّاهِدُ في نَفسِهِ فَعَرفَ نَفسهُ، فَوَصلَ إلى المُتجلِّي عَليهِ الاسمِ المَشهُودِ فَأقسَمَ حَبيبِي عَـزَّ وجَلَّ :
بسم الله الرحمن الرحيم ( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ )(3) ( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ )(4) البروج
الأُخدُودُ: هُوَ الشِّقُّ المُتَصدِّعُ في الذَّاتِ فَطَالَمَا نَحنُ في الأُخدُودِ لَا نَرَى شَيئاً لَأنَّه على يَمينِنَا جَبلٌ وعلى شِمَالِنا جَبلٌ، ونَكونُ مَحجُوبِينَ بِكِلَا الجَبَلَينِ، جَبلِ العَقلِ وجَبلِ الوَاقعِ، جَبلِ الدُّنيَا وجَبلِ البَرزَخِ.وهَذا لَيسَ تَفسِيراً في الآيةِ الكَرِيمةِ بَل هُوَ إشَارةٌ فِيهَا يَفْهَمُها أهلُ الإشَارَاتِ الإلَهيَّة.
إنَّمَا المَطلُوبُ الخُروجُ مِنْ هَذا الأُخدُودِ لِلوصُولِ إلى الرَّبِّ المَعبُودِ، والوُقوفُ في حَقيقةِ الشَّاهِدِ لِمَعرِفة الحَـقِّ المَشْهُودِ.
عِندما نَصلُ إلى الاسمِ المُتجلِّي في هَذا التَّعَرُّف نَصِلُ إلى حَقيقَـةِ مَـنْ عَـرَفَ نَفْسَهُ عَـرَفَ رَبَّـهُ.
فَمَعرفةُ الرَّبِّ مَعرِفةُ هَذا الاسمِ المُتجلِّي عَليك هُوَ مِنْ أسْمَى مَا يَصِلُ إليهِ العَبدُ، لِأنَّه يَعرِفُ اسمَهُ الخَاصَّ بِوجهِهِ الخَاصِّ الذِي تَجَلَّى عَليه رَبُّ العِزَّةِ، الاسمُ الإلَهيُّ الخَاصُّ الذِي تَوَجَّه اللهُ سُبحَانَه وتَعَالى بِهِ على إيجَادِ هَذا الكَائِنِ، ومَعرِفـةِ مِنْ أيْ حَضرَةٍ وُجِـدَ.
المَطلَبُ الرَّابِعُ مِنَ المَبحَثِ الرَّابِعِ
الوَجْـهُ الخَـاصُّ لَا يَكُونُ إلَّا مِنَ اسمٍ خَـاصٍّ
ويُمكِنُ أنْ يَخْتَلِطَ على العَبدِ مِنْ أيْ الحَضَرَاتِ وُجِدَ، لأنَّـه كَمَا قَالَ عَليٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: ( وتَحسَبُ أنَّـكَ جِرمٌ صَغِيرٌ، وفِيك انطَوَى العَـالَمُ الأكبَـرُ )، وهَذا مِنْ أصعَبِ مَدَارِجِ هَذَا العِلمِ لأنَّه وفِيك انطَوَى العَالَمُ الأكبَرُ يَجِدُ الإنسانُ كُلَّ تَجَليَاتِ اللهِ، يَنظُرُ إلى بَصرَه يَجِدُ تَجلِّي البَصِيرِ، يَنظُرُ إلى سَمْعِه يَجِدُ تَجلِّي السَّمِيع، يَنظُرُ إلى حَالَةِ الجِمَاعِ يَرَى التَّكوِينَ كَما يُكوِّنُ اللهُ مِنَ الاسمِ الأكوَانَ يَرَى كَيف يُكَوِّنُ اللهُ مِنه مِنْ جِهازِه التَّنَاسلِي، مِنْ عَوَاطفِه ومَشَاعرِه، مِنْ نِطَافه كَيفَ يُكَوِّنُ مَخلُوقَاً آخَرَ له كُلُّ الأبعَادِ له كُلُّ الأسمَاءِ أثنَاءَ الدَّفْقِ الخَارجِ ( الإمْنَاءِ ). المَنَوِيَّاتُ عِبارةٌ عَن نِطَافٍ صَغِيرةٍ جِداً جِداً، لَاتُرَى بِالعَينِ المُجرَّدةِ تَحمِلُ كُلَّ جِينَاتِ الكَائِنِ، وكُلُّ جِينَةٍ مِنْ جِينَاتِ الكَائِن لَها الاسمُ الخَـاصُّ المُتجلِّي عَليهـا والذِي يُفَعِّلُهَا وَفِيكَ انطَوَى العَـالَمُ الأكبَرُ، وعَلَّمَ آدَمَ الأسمَـاءَ كُلَّها. كَيف تَكونُ هَذه الأبعَـادُ ؟
مِنْ اسمِ وَالِدِي خَرَجتْ العَائلةُ كُلُّها، مِنْ اسمِي خَرَجتْ عَائِلتِي، أولَادِي وَأولَادُ أَوْلَادِي، هَذا مِثَالٌ تَحقِيقِيٌّ بَسيطٌ مُمكنٌ مِنْ خِلالِه إذا عَرَفتُ نَفسِيَ أعرِفُ أنَّه يُمكِنُ أنْ يَظهَرَ مِنَ الاسمِ أسمَاءٌ.
فإذا عَرَفتُ نَفسِيَ كَذَاتٍ عَرَفتُ الاسمَ المُشرِفَ عَلَيَّ مِنَ الأسمـاءِ، والصُّعُوبـَة هُنا أنَّه مُتجلِّيَةٌ عَليكَ كُلُّ الأسماءِ الحُسنَى، فَالصُّعُوبـةُ تَكْمُنُ أنْ تَعرِفَ كُلَّ هَذهِ الأسمـاءِ تَحتَ أيِّ اسمٍ خَـاصٍّ تَنْدَرِجُ، فَالوَجـهُ الخَـاصُّ لَا يَكونُ إلَّا مِنَ اسمٍ خَــاصٍّ.
تَسَاؤلٌ: لِنَفترِضْ أنَّ الاسمَ الخَاصَّ كَانَ اسمَ اللهِ الشَّكُورِ، أمْ هُوَ اسمُ اللهِ الشَّكورِ، ويَندَرِجُ تَحتَـه عَددٌ مِنَ الأسمـاءِ الشَّكورِ الوَدُودِ، الشَّكورِ العَلِيمِ …
هُنَاك وَجـهٌ خَـاصٌّ، وهُو حَضرَةُ الاسمِ الذَّاتِيِّ المُفرَدِ، لَا يُوجَدُ سِوَى اسمٍ واحِدٍ يَتجلَّى عَليك، وتَندَرِجُ كُلُّ أنوَارِ الأسماءِ الثَّانِيةِ تَحتَ سُلطَانِـه.
مثالٌ: لِنَفرِضْ أنَّ المُتجلِّيَ عَليك اسمُ اللهِ العَزيزِ فَكُلُّ الأسماءِ الحُسنَى في ذَاتِك تَندَرِجُ تَحتَ سُلطَانِ اسمِ اللهِ العَزيزِ، فَفِي شَخصِيتك تَتَحَرك كُلُّ الأسماءِ الحُسنَى بِإدارَةِ الاسمِ المُتجلِّي عَليكَ اسمِ اللهِ العَزيزِ.
وآخَرُ مَثلاً مُتجلٍّ عَليه اسمُ اللهِ الوَدودِ فَكُلُّ الأسمـاءِ الحُسنَى إنَّمَا تَأتَمِر في ذَاتِه مِنَ اسمِ اللهِ الوَدودِ المُتجلِّي عليه.
عِندكَ البَصيرُ وعِندِيَ البَصيرُ لَكنَّ البَصيرَ عِندِيَ خَاضِعٌ لِاسمٍ آخرَ يُدِيره مِنَ الأسماءِ الذَّاتيَّةِ، اسمٌ غيرُ الاسمِ الذِي يُديرُ اسمَ اللهِ البَصيرِ عِندَك؛ تَختَلفُ الأوجُهُ؛ ومِنْ هُنا يَأتي التَّنَوُّع، وعِندَما نَفهَم هَذه الحَقيقةِ نَجِدُ أنَّ هَذا التَّنَوُّعَ مُطلَقٌ غيرُ مَحدُودٍ لَانِهايَة لَه لَمَّا كَانت الأسماءُ لَانِهايةَ لَها، لِذلِك خَرَجنا فَوقَ قَانونِ الاحتِمَالَاتِ لَمْ يعُد هُناك احتِمَالاتٌ بَل وُجُودٌ مَحضٌ فَقط، عِندما نَتجَاوزُ قَانُونَ الاحتِمالاتِ نُصبِحُ في الإطلَاقِ، ولَيس يَبقَى سِوَى مَحضُ الوجـودِ.
سِرٌّ آخَـرُ يَقـولُ أنَّ الإنسانَ يُسمَّى بِعـدَّة أسمَـاءٍ:
هَذا الكَلامُ نَقُوله حتَّى نَستَطيعَ الوصُولَ إلى الاسمِ الذَّاتيِّ المُتجلِّي عَلينا، الإنسَانُ فِيه كُلُّ الأسمَاءِ، فَتَظهرُ عليه كُلُّ الحَضَراتِ، ومِنْ جُملَةِ مَا يظهرُ عَليه ومِنَ المُمْكِن أنْ يَضِيع فِيه هُو وُجـودُ الأسمَـاءِ الصِّفَاتيَّـةِ.


