من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 18 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 1، الفصل 2.
9- موقع علم الذكاء الروحي داخل منظومة علوم الروح
ينبغي الآن أن نوسع العدسة قليلاً.
فعلم الذكاء الروحي ــ كما أقدمه ــ لا يقف منعزلاً عن بقية مشروعه المعرفي.
بل يرد في الكتاب الأم لعلم الذكاء الروحي الذي وضعته ضمن علوم البرمجة الحرفية الكونية الروحية SULP، وأقدمه في إطار إسلامي يرتبط في تصوره بعلوم الروح وبضوابط القرآن الكريم والسنة الشريفة.
وهنا يجب أن نفهم عبارة: " موقع العلم داخل المنظومة"
داخل هذه المنظومة يصبح علم الذكاء الروحي قريباً من دائرتين كبيرتين:
علوم الإدراك لأنه يبحث في الإدراك والمدركة الإنسانية وحركة المدركات.
وعلوم الفاعلية لأنه لا يكتفي بالإدراك، وإنما يدرس فاعلية الحياة وحركة الإدراكات في الواقع.
ولهذا نجد في بعض العلوم والتطبيقات اللاحقة داخل المشروع وصفاً لعلوم تربط بين علوم الإدراك وعلوم الفاعلية في الذكاء الروحي.
ومن هنا يمكن أن نرسم موقع العلم ــ على سبيل الخريطة التعليمية ــ هكذا:
علوم الروح في منظومة العلوم الإسلامية الإنسانية
↓
علوم الإدراك + علوم الفاعلية
↓
علم الذكاء الروحي
↓
الوعي الروحي وقوانينه
↓
البرامج والمراتب والتطبيقات
↓
الأسرة – التربية – العلاقات – العمل – القيادة – المجتمع
وهذه ليست شجرة نهائية مغلقة للعلوم، وإنما طريقة أولية تساعد القارئ الجديد على رؤية موقع العلم في المشروع الأوسع.
فأنت لا تدخل إلى كتاب منفرد فقط.
أنت تدخل إلى منظومة معرفية يتفرع بعضها من بعض.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل دراسة العلم متدرجة.
وصل علم يستمد ولا يذوب
من الأفكار المهمة في نصوصي التي دونت فيها علم الذكاء الروحي أستمد من كل مادة علمية معرفية تبحث في الإدراك البشري وفاعلية الحياة، مهما كان الجانب العلمي الذي تمثله تلك المادة.
وهذه فكرة تحتاج إلى فهم دقيق.
الاستمداد لا يعني الذوبان.
أن يستفيد العلم من مادة معرفية في الإدراك لا يعني أنه يصبح هو تلك المادة.
وأن يستفيد من معرفة نفسية أو اجتماعية أو تربوية لا يعني أنه يتحول إلى علم نفس أو اجتماع أو تربية.
بل يمكن أن نقول:
يستفيد العلم مما يخدم موضوعه، لكنه يعيد وضعه داخل بنائه الاصطلاحي والمنهجي الخاص.
وهذه قضية مهمة جداً في تطوير علم الذكاء الروحي مستقبلاً.
لأن العلم إذا أغلق نفسه عن المعارف الأخرى جمد.
وإذا ذاب فيها فقد هويته.
أما المسار الأكثر توازناً فهو:الاستفادة مع المحافظة على الهوية الاصطلاحية والمنهجية.
وصل هل نحن أمام «روحانيات» عامة؟
الجواب : لا.
وهذه نقطة تحتاج إلى وضوح.
حين يسمع بعض الناس كلمة «روحي» يتخيلون مباشرة أي خطاب عن السكينة أو التأمل أو المحبة أو الصفاء الداخلي… أو ربما تجارب خاصة مع الجن والعفاريت والسحر وماشابه في المعتقدات الشعبية في عالمنا.
وهذه موضوعات قد تكون مستخدمة أو لها قيمتها في مواضعها وعند متداولينها .
لكن علم الذكاء الروحي كما نقدمه هنا لا يُعرَّف بأنه مجموعة مشاعر روحانية جميلة.
بل يقدم نفسه من خلال:
تعريف.
وقوانين عقلية وروحية.
ومسائل.
وإدراك.
وفاعلية.
ووعي إنساني عالي .
ومراتب.
وبرامج روحية عليا.
ومسار تعلم.
ولهذا لا يكفي أن يشعر الإنسان بشعور روحي جميل ثم يقول: " أنا أمارس علم الذكاء الروحي".
كما لا يكفي أن يشعر المرء بالحماس بعد قراءة كتاب في الطب ليقول: "أنا أمارس الطب" .
هناك فرق بين: التجربة الروحية الشخصية .
وبين: الدراسة المنظمة لمفاهيم علم الذكاء الروحي داخل هذه المنظومة الروحية .
وهذا الفرق سنحافظ عليه طوال الكتاب.
وصل ما الذي يميز هذا العلم من داخله؟
إذا أردنا الآن، وبعد هذه الجولة، أن نلخص بصمته الداخلية للقارئ الجديد، فإننا نجد خمس خصائص مركزية:
الأولى: أنه يبدأ من الإدراك لا من المعلومات وحدها.
الثانية: أنه يصل الإدراك بالوعي ولا يتعامل مع المدركات بوصفها جزراً منفصلة.
الثالثة: أنه يصل الوعي بالفاعلية فلا يجعل غاية المعرفة أن تبقى في الداخل.
الرابعة: أنه يقوم على الارتقاء أي أن هناك إمكانية للتطوير والتدرج والانتقال.
الخامسة: أنه يرى الإنسان في حياته كلها لا في لحظة عقلية أو عاطفية واحدة.
ومن هنا يمكن أن نضع أمام القارئ هذه العبارة:
علم الذكاء الروحي هو علم انتقال الإنسان من الإدراك إلى الوعي، ومن الوعي إلى الفاعلية، ومن الفاعلية إلى الارتقاء في الحياة.
وهذه العبارة صياغة تفسيرية لهذا الكتاب وليست بديلاً عن التعريف المؤسس الرسمي للعلم.
فالتعريف الرسمي يبقى هو المرجع.
أما هذه العبارة فوظيفتها أن تساعد القارئ على حمل صورة مختصرة وهو يتقدم في الرحلة.
وصل لا تحفظ التعريف… ابحث عن الخريطة
ربما تقول الآن: هل يجب أن أحفظ تعريف علم الذكاء الروحي؟
يمكنك حفظه.
لكن هذا ليس أهم ما أريده منك.
الأهم أن تبدأ في رؤية العلاقات التي يحملها التعريف.
عندما تسمع: إدراك تذكر أن أمامك باباً.
وعندما تسمع: فاعلية تذكر أن العلم يسأل عن الحياة.
وعندما تسمع: حركة الإدراكات تذكر أن المدركات لا تعمل دائماً منفصلة.
وعندما تسمع: الوعي الروحي تذكر أن وراءه بناءً يتشكل ويتحرك.
وعندما تسمع: تطوير تذكر أن العلم لا يريد وصف الإنسان كما هو فقط، بل يريد دراسة إمكان ارتقائه.
إذا فهمت هذه الخريطة، فإن التعريف بدأ يعيش داخلك.
وصل وقفة إدراكية
اسأل نفسك: حين سمعت لأول مرة عبارة " الذكاء الروحي"…
ماذا ظننت أنها تعني؟
هل ربطتها بالذكاء العقلي؟
أم بالعاطفة؟
أم بالتدين؟
أم بالتأمل؟
أم بالسلام الداخلي؟
ثم اسأل: هل تغيرت الصورة الآن بعد أن رأيت موقع الإدراك والفاعلية والوعي في التعريف؟
إذا تغيرت الصورة قليلاً، فهذا مهم.
لأننا لا نريد منك أن تضيف معلومة جديدة فحسب.
بل أن تبدأ بإعادة ترتيب الصورة القديمة.
وصل من علم الذكاء الروحي
احمل معك في نهاية هذا الفصل سبعة مفاتيح:
1-علم الذكاء الروحي اسم علم محدد تضبطه قوانين الروح.
2- الإدراك والفاعلية في قلب تعريفه.
3- حركة الإدراكات الفعالة ترتبط بتشكل ذاتية الوعي الروحي.
4- الوعي الروحي ليس معلومة واحدة، بل يرتبط ببناء الإدراكات وحركتها.
5- العلم ذو بعد تطويري وارتقائي وليس وصفياً فقط.
6- الذكاء العاطفي أو الانفعالي لا يساوي علم الذكاء الروحي كله.
7- استعمال مصطلح «الذكاء الروحي» هنا خاص بعلم الذكاء الذي نصصت على قواعده ومبادئه العشرة ، ولا يطابق بالضرورة استعمال هذا المصطلح «الذكاء الروحي» في النظريات المفترضة أو حتى المقالات والكتب التي حاولت توصيف الذكاء من مناظير ضيقة والتي في أغلبها لا تستند إلى المنطقية علم الذكاء الروحي كما وضعته .
هذه المفاتيح السبعة ستمنع كثيراً من الالتباس في الفصول القادمة.
وصل تعلَّم أكثر
لقد أعطيتك هنا صورة أولية عن العلم.
لكننا لم ندخل بعد في:
قانون الذاتية.
ولا قانون القدسية.
ولا قوانين الوعي الروحي.
ولا الإطلاق والانفعال والاستغراق.
ولا قوانين الإدراك الفعال.
ولا التشابك الارتقائي.
ولا البرامج الروحية العليا.
ولا مراتب الذكاء الروحي.
ولا تفاصيل العلاقة بين الذكاء الروحي وبقية الذكاءات.
وذلك مقصود.
لأن هذه موضوعات تُدرس.
ولا أريد لهذا الكتاب أن يسرق منك متعة الدخول إليها متدرجة.
إننا الآن نبني لديك شيئاً أسبق من التفاصيل:
الرغبة الواعية في أن تعرف.
خلاصة الفصل
بدأنا بالسؤال: ما علم الذكاء الروحي؟
وانتهينا إلى أن الإجابة لا يمكن اختصارها في عبارة: " إنه ذكاء متعلق بالروح".
فالعلم هنا يقوم على شبكة مترابطة من:
الإدراك
والفاعلية
وحركة الإدراكات
والوعي الروحي
وقوانين الحركة
والتطوير
والارتقاء
والبرامج
والتطبيق في الحياة.
ورأينا أيضاً أن وجود موضوعات عاطفية أو تنموية داخل تطبيقاته لا يعني اختزاله في الذكاء العاطفي أو التنمية البشرية.
وأصبح لدينا الآن سؤال أعمق.
إذا كان هذا العلم يهتم بالإدراك والوعي والفاعلية…
فلماذا يحتاج الإنسان أصلاً إلى أن يتعلمه؟
ماذا ينقص في حياتنا إذا بقي إدراكنا على ما هو عليه؟
وهل يمكن أن تكون بعض مشكلاتنا ليست ناتجة عن قلة المعلومات…
بل عن الطريقة التي ندرك بها أنفسنا والعالم والحياة؟
هنا نكون قد وصلنا إلى الباب التالي.
الباب الثاني
لماذا تحتاج أن تتعلم علم الذكاء الروحي؟
وهناك لن يعود السؤال: ما هذا العلم؟
بل سيصبح: ماذا يمكن أن يحدث إذا بقي الإنسان يعيش بالمستوى نفسه من الإدراك؟






