من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 20 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 2، الفصل 1.
1- ما الذي تراه وما الذي لا تراه؟
تخيل أنك دخلت غرفة فيها عشرة أشياء.
خرجت منها بعد دقيقة.
ثم سألتك: ماذا رأيت؟
ربما تذكر ثلاثة أشياء.
ويذكر شخص آخر خمسة.
ويلتفت ثالث إلى شيء لم ينتبه إليه أحد.
الغرفة واحدة.
والأشياء واحدة.
لكن ما دخل في دائرة الإدراك لم يكن واحداً.
وهذه الفكرة البسيطة تتكرر بصورة أعظم في الحياة.
في كل يوم تمر أمامك:
أشخاص.
وكلمات.
وفرص.
وتحذيرات.
وإشارات.
وأخطاء.
وأبواب.
وعلاقات.
وخبرات.
ومعارف.
لكن السؤال ليس: ما الذي كان موجوداً؟ فقط.
بل: ما الذي أدركت أنه موجود؟
وهذا فرق بالغ الأهمية.
لأن الشيء قد يكون أمامك ولا يكون حاضراً في وعيك.
وقد تسمع الكلمة ولكن لا تدرك معناها.
وقد تعرف المعلومة ولكن لا ترى علاقتها بمشكلتك.
وقد ترى السلوك ولكن لا تدرك سببه.
وقد تعيش مع إنسان سنوات، ثم يحدث موقف واحد فتقول: الآن فهمته.
ماذا حدث؟
هل وُلد هذا الإنسان في تلك اللحظة؟ الجواب : لا.
ولكن مدركة جديدة وُلدت فيك أنت.
وفجأة أعادت هذه المدركة ترتيب مجموعة من الوقائع القديمة.
فأشياء كانت مبعثرة أصبحت مترابطة.
وأحداث لم تكن تفهم معناها أخذت مكانها.
وكلمات قديمة أصبحت واضحة.
وهنا تكتشف أن اتساع الإدراك لا يضيف لك شيئاً إلى الخارج فقط…
بل يعيد ترتيب العالم في داخلك.
ومن هنا نبدأ نفهم لماذا يكون الارتقاء الإدراكي مهماً.
لأن الإنسان لا يستطيع أن يتفاعل بفاعلية مع شيء بقي خارج دائرة إدراكه.
ما لا تدركه قد يؤثر فيك، ولو لم تكن تدرك أنه يؤثر فيك.
وهذه واحدة من أخطر المساحات في حياة الإنسان.
وصل الإدراك ليس مجرد النظر بالعين
عندما أقول لك: ماذا ترى؟
فلا أقصد البصر وحده.
قد تنظر إلى الشيء بعينيك ولا تدرك معناه.
وقد تسمع عبارة ولا تدرك مقصدها.
وقد تمر بتجربة ولا تدرك الدرس الذي فيها.
وقد تقرأ كتاباً كاملاً ولا تولد فيه مدركة واحدة تغيّر فيك شيئاً.
الإدراك أوسع من مجرد استقبال الحواس للمعلومات.
ولهذا فإن علومنا الروحية الإسلامية لم تتعامل مع الإنسان على أنه عقل يستقبل البيانات ثم يعالجها فقط.
فالإنسان عندنا له روح، وله عقل، وله قلب، وله نفس، وله مدركات وأحوال ومراتب من الوعي والفاعلية.
وكان أهل الله وعلماؤنا عبر مسالك التربية والمعرفة يتحدثون عن الفهم والبصيرة والكشف عن المعاني ومراتب المعرفة والإدراك بحسب أبواب علومهم.
ومن هذا الأفق يأتي علم الذكاء الروحي ليجعل الإدراك والفاعلية ميداناً أصيلاً للدراسة والتطوير.
فالسؤال ليس فقط: ماذا دخل من عينيك وأذنيك؟
بل: ماذا صار حقيقة حاضرة في مدركتك؟






