من كتاب «بوابتك إلى علم الذكاء الروحي» — تأليف د. هانيبال يوسف حرب.
المدخل 21 من 76. موضعه في الكتاب: الباب 2، الفصل 1.
2- لماذا يختلف الناس في قراءة الموقف نفسه؟
ضع خمسة أشخاص أمام موقف واحد.
قد تحصل على خمس قراءات مختلفة.
لماذا؟
لأن الإنسان لا يدخل إلى الموقف فارغاً.
إنه يدخل إليه ومعه:
خبراته السابقة.
ومعارفه.
ومخاوفه.
وتوقعاته.
ومحبته.
وكراهيته.
وأحكامه السابقة.
ومرتبته في الفهم.
ودرجة وعيه.
وما يستطيع إدراكه وما يعجز عن إدراكه.
ولهذا قد يسمع اثنان العبارة نفسها:
فيراها الأول نصيحة.
ويراها الثاني إهانة.
ويرى الأول في الصمت حكمة.
ويراه الثاني تجاهلاً.
ويرى أحدهم في التغيير فرصة.
ويراه آخر تهديداً.
ويرى واحد في المشكلة نهاية.
ويرى آخر فيها بداية.
ولا يعني ذلك أن كل القراءات صحيحة بالدرجة نفسها.
ولا يعني أن الحقيقة تتغير بتغير الناس.
بل يعني أن قدرة الناس على إدراك الحقيقة ليست في درجة واحدة.
وهنا يأتي التعلم.
إذا كان كل ما أدركه الإنسان صحيحاً كاملاً منذ البداية، فما الحاجة إلى العلم؟
وإذا كانت المدركة لا ترتقي، فما الحاجة إلى التربية؟
وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يوسع فهمه، فما معنى الخبرة؟
إن التعلم نفسه شاهد على أن إدراك الإنسان يمكن أن ينتقل.
من الغموض إلى الوضوح.
ومن الجزء إلى صورة أوسع.
ومن السطح إلى العمق.
ومن التسرع إلى التثبت.
ومن الحكم الناقص إلى حكم أكثر إحاطة.
ولهذا فإن من علامات الذكاء الروحي ألا يجعل الإنسان مدركته الأولى إلهاً لا يراجعها.
بل يعرف أن ما أدركه في اللحظة الأولى قد يحتاج إلى:
توسيع.
أو تصحيح.
أو استكمال.
أو إعادة ترتيب.
وهنا تبدأ مرونة الوعي.
وصل خطأ خفي: أن تساوي بين ما أدركته وبين الحقيقة كلها
هذه من أخطر العادات الإدراكية.
أن يقول الإنسان في داخله:
أنا رأيت، إذن عرفت كل شيء.
أو: أنا فهمت، إذن لا يوجد احتمال آخر.
لكن الإنسان قد يرى جزءاً.
وقد يسمع جانباً.
وقد يعرف سبباً ويغيب عنه سبب آخر.
ولهذا فإن الذكاء ليس في سرعة الحكم دائماً.
قد يكون الذكاء أحياناً في أن تعرف أن الصورة لم تكتمل بعد.
وهذه مرتبة مهمة.
أن تدرك حدود إدراكك.
فليس كل من أسرع إلى الجواب أذكى.
وليس كل من تأخر في الحكم أضعف.
قد يكون التأخر أحياناً ناتجاً عن إدراك أن المسألة أوسع مما ظهر أولاً.
ومن هنا يفتح علم الذكاء الروحي للإنسان باباً مهماً: أن يراقب مُدرِكته قبل أن يسلّم لها قيادة حياته كلها.






